Revue de presse des principaux journaux Marocains

Actualite

المرابط: الأديان وإشكالية السلام في العالم

02.05.2019 - 18:01

إشكالية العنف ورفض السلم تكمن في النزاعات السياسية التي استغلت الدين واستخدمت مؤسساته

* دة. أسماء المرابط

عندما نلقي نظرة حول تاريخ الأديان على مستوى العالم، فإننا، وللأسف، نميل إلى نوع من التشكيك في الدور الذي تلعبه في نشر السلام، مع أننا لا نختلف في أن الأديان تتفق على الدعوة للسلام علانية، لكنها في الوقت نفسه كانت، وربما ما زالت، سببا في اندلاع العديد من الحروب الدامية، ونرى ذلك واضحا في الكثير من المحطات التاريخية، مثل الحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، والإبادة الجماعية، وظاهرة التكفير المعاصرة، والعديد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، وأخيرا في نيوزيلاندا وسيريلانكا، والتي تعكس ولا شك تلك العلاقة المعقدة بين الدين والعنف.
يبدو اليوم أن الأديان في قلب الصراعات الكبرى المعاصرة، فلا يوجد دين -بلا استثناء- بريء من تهمة العنف والنزعة الحربية، ومن ثمة، فليس لأي مرجعية دينية الحق في تقديم دروس السلام للآخرين.
ومع كل هذه الظواهر المفزعة، يمكن للمرء أن يطرح سؤالا ساذجا: هل الدين فعلا هو الذي يعارض فكرة السلام، ويضطهد المستضعفين في الأرض؟ أم أن هناك مراكز قوى سياسية متحكمة، تسعى مع كل حركة تاريخية إلى إعادة صياغة «المقدس» من أجل تكريس وتوطيد شرعيتها؟

وإذا كان من المُسلَّم به أن العديد من الشعوب اليوم تعاني، بل صارت ضحية الموت بسبب صراعات ناتجة عن دوافع دينية، فهل سيكون العالم أكثر سلاما بالفعل بدون وجود أي دين؟ هنا نستحضر قولة باحث السلام ماركوس وينجاردت:» أي شخص يريد إثارة الصراع والدخول في الحرب لا يحتاج إلى دين لتبريره»، وبالفعل، فالغالبية العظمى من ملايين القتلى، خلال حروب القرن العشرين، وقعوا ضحية الأنظمة السياسية، وشتى الإيديولوجيات، كالفاشية، والقومية، والتمييز العنصري، والاستعمار، والامبريالية، ولم يكن هناك أي مبرر أو دافع مباشر من دين معين.

صحيح أيضا، أن الأديان تمكنت من خلق السلام، وحل العديد من النزاعات في العالم، لأن الأديان قادرة بالفعل على ذلك، بفضل قوتها الأخلاقية على تعزيز وإرساء السلام العالمي، ولكن من الضروري أيضا هنا أن نميز بين البعد الروحي والأخلاقي للأديان، وبين البعد المؤسساتي داخل كل الديانات، أي بمعنى آخر، التمييز بين الرسالة الروحية لأي ديانة، وبين طابعها السلطوي الهرمي، فحتى الإسلام، الذي كان منذ بدايته، في عهد الرسالة، دون سلطة هرمية، أصبح مع مرور الوقت، وإكراهات التاريخ، وظهور الفتن السياسية، يعج بمؤسسات ومذاهب وسلطة هرمية رسمية، اتخذت مواصفات شتى كالخليفة والإمام والمفتي… الذين يشكلون، حتى اليوم، من خلال نفوذهم القوي وهيمنتهم على المعرفة الدينية، سلطة دينية بكل ما للكلمة من معنى. فمن الواضح إذن أن إشكالية العنف ورفض السلام لا تكمن في البعد الروحي للدين، بل في النزاعات السياسية التي استغلت الدين واستخدمت مؤسساته المختلفة ذريعة للهيمنة والسلطوية عبر العصور.

ومع أن هذا الأمر صحيح، فمن الضروري أن ندرك أن ذلك لا يتم إلا بغطاء شرعي، باسم قراءة وتأويل معين للمصادر الدينية، وبالتالي تجد عددا من المبررات النصية التي تشجع في بعض الأحيان الميول إلى العنف، الشيء الذي يستغله المتطرفون لإثبات شرعية استعمال العنف وقتل الآخر.
وهنا يتعين على الأديان –وخاصة المسلمين منهم اليوم- أن يباشروا إعادة تفسير تلك النصوص، وإعداد نهج جديد، من خلال القراءة السياقية والتاريخية للنص، حتى يتسنى لنا إيجاد حلول ملموسة للمأزق التأويلي الذي يتخبط فيه اليوم الفكر الإسلامي التقليدي.
ولا بد لنا أيضا الخروج من ذلك الخطاب المعتاد حول ما يسمى: «حوار الأديان»، ومن حيثياته غير المنتجة، والتي في الحقيقة هي بعيدة كل البعد عن الرهانات المعقدة التي يعيشها عالمنا اليوم.

يجب الخروج من الخطاب حول “حوار الأديان” ومن حيثياته غير المنتجة

ودعونا نقولها بكل وضوح، ليست الأديان هي التي تتحاور، بل أتباع تلك الأديان، وبمعنى آخر البشر كل حسب شريعته وانتمائه، هم القادرون بإيمانهم على التحاور، وهناك أيضا نقطة أخرى لها الأهمية نفسها، وهي تعكس ظاهرة الترفع واليقين والاستعلاء الديني، وتكمن في بعض معتقداتنا وقناعاتنا التي نحملها، والتي غرست في أذهاننا منذ الصغر، إذ أننا نؤمن بأننا وحدنا من يمتلك الحقيقة الإلهية، وأن الآخر ضائع وملعون إلى الأبد.
ومن داخل هذا التوهم الانفرادي في الاستحواذ على الحقيقة المطلقة تتوارى البنية الأولية للعنف الرمزي والمادي لماضينا وحاضرنا وكل ما هو آت في المستقبل… إن هذا التصور يعيق جوهر الرسالات التوحيدية، وما نتقاسمه جميعا، والمتمثل في تلك «الروح التحررية» التي من المفروض أن تشكل «موقعنا الديني المشترك»، لذلك من الضروري أن تكون لدينا الشجاعة الفكرية والإيمانية لاتخاذ نهج جديد وواقعي لإعادة قراءة النصوص الدينية، خاصة تلك التي تحتاج إلى مقاربة سياقية ومقاصدية، ورفضُ ذلك يعني لا محالة الاستمرار في ترك تأويل تلك النصوص للمتطرفين والسماح لهم باستخدامها لصالح نظرتهم الشنيعة. إن المسؤولية الأخلاقية للسلام الاجتماعي والعالمي تقع اليوم على عاتق المؤسسات والجهات الفاعلة في الشأن الديني، والتي لا بد أن تعترف بأن واقعنا قد تغير، وأنه من غير الممكن أن نستمر في ذلك الامتناع عن مواجهة متغيرات المجتمع والتستر وراء المخيال الأسطوري للأمجاد والماضي المبهم.

لا يوجد دين، بلا استثناء، بريء من تهمة العنف والنزعة الحربية

» مصدر المقال: assabah

Autres articles