Revue de presse des principaux journaux Marocains

Art & Culture

سعيد الشرايبي.. فارس الوتر يترجل من صهوة عوده

04.03.2016 - 21:19

ها هو الفنان والمبدع الكبير سعيد الشرايبي، فارس الوتر يترجل من صهوة عوده، ويغادر إلى دار البقاء، تاركا إرثا فنيا غنيا بأعذب الالحان والترنيمات والتوليفات، يجسد الفن الجميل بما أبدع من نغمات ذكية ودرر لحنية.

برحيل سعيد الشرايبي، الذي لبى داعي ربه أمس الخميس بالدار البيضاء، عن عمر يناهز 65 سنة، بعد صراع مع المرض، وهو المبدع متفتق المخيال، الذي لم يشدد لمواهبه زيمها، التي حباه الله بها، والذي بأمثاله صرف الليالي تضن، تكون الساحة الفنية المغربية والعربية، بل والعالمية، قد فقدت أحد أهرامات العزف بالعود، وأحد فنانيها المرموقين، فرحيله، بإجماع كل من عرفه واشتغل إلى جانبه، خسارة كبيرة في مجال العزف الآلي ووضع الألحان والتوليفات الموسيقية.

الراحل سعيد الشرايبي، الذي لا يمكن أن تلقاه أو تصادفه إلا بشوش الوجه، طلق المحيا، مبتسما لمخاطبه، فنان من الفنانين المغاربة الذين حظوا بالإجماع والاعتراف، أحب سلطان الآلات (العود) منذ حداثة سنه (وهو في ربيعه الثاني)، فأخلص لها حتى تملكها أيما تملك، ولم يفارقها حتى فاضت روحه إلى بارئها، وسبر أغوارها فانقادت له طيعة الأوتار يداعبها بأنامله فتصوغها دررا وتكشف وتبوح بأسرار ما احتوته من أنغام.

سعيد الشرايبي، العازف الماهر على آلة العود، والذي برحيله تدخل أوتار العود في حداد بعد أن غادرها، نحت اسمه في قائمة الأساطين والمهرة الذين أتقنوا تكليم هذه الآلة وإبراز ما تختزنه من مكنونات لحنية ونغمية، فهو ينضاف إلى الراحلين العراقي منير بشير، والمغربي عمرو الطنطاوي، وجايل العازف الماهر الحاج يونس، وسار على دربه العازف المغربي الشاب ناصر الهواري، والعراقي نصير شمة وغيرهم كثير، ممن احتضنوا آلة العود فما فارقتهم أبدا، وأرسلوا من خلال “آلة الحكماء” بطائق الحب والتعايش إلى العالم.

كان الراحل الشرايبي يؤمن بأنه على الفنان أن يتسلح بالثقافة العلمية والأدبية، ويغرف من معين المباحث والمعارف، ليسوقها إبداعا بالأنامل وعملا فنيا الذي يتطلب، في رأيه رحمه الله، ثلاث مقومات أشار إليها الفيلسوف أبو نصر الفارابي، وذكرها الشرايبي خلال استضافته في إحدى حلقات برنامج “شذى الألحان” للقناة الثانية وهي “المخيلة واللذة والانفعالية”.

وبهذه المناسبة المحزنة، قال الباحث الموسيقي المغربي الأستاذ عبد السلام الخلوفي، في تصريح لوكالة المغرب العربي الأنباء، “ونحن نودع اليوم المبدع الكبير سعيد الشرايبي، فإننا ندفن معه أسرار مدرسة قائمة الذات، ليس في عزف العود فقط، بل في معرفة أسرار صنعه وتفاصيل تراكيبه، وندفن معه معرفة صوفية، لعوالم المقامات الموسيقية، وتغيرات أسمائها وصفاتها وتأثيراتها الروحية، بتغير مواقع عزفها”.

ويتذكر الأستاذ الخلوفي، وهو يحبس دموعه الواكفة من حسرة فراق هذا الفنان الوازن، أنه في آخر لقاء مع الراحل سعيد الشرايبي، مطلع السنة الجديدة، حدثه، رحمه الله، بحماس منقطع النظير، عن مشروع مؤسسة سعيد الشرايبي متكامل الأبعاد، وأطلعه على ملف ضخم ودقيق، يعطي نظرة وافية عن هذه المؤسسة، وأدوارها التربوية والفنية والاقتصادية، ودعاه، بكل أريحية، أن يكون من الحاضرين معهم في شهر مارس الجاري، إلا أ، القدر ، يقول الأستاذ الخلوفي، وهو يكفكف عبراته، “يقودني للحضور في نفس الموعد، لكن لتوديع سيدي سعيد إلى مثواه الأخير”.

واعتبر الأستاذ الخلوفي أنه “إذا كان من شيء تقدمه الجهات المسؤولة لروح هذا المتفرد، فهو تحقيق حلمه في إنشاء مؤسسة تعنى بالعود وعوالمه وتخلد اسمه”.

مباشرة بعد إعلان خبر وفاة الفنان سعيد الشرايبي، صباح أمس سويعات بعد أن استجاب لداعي ربه، تواصل تبادل التعازي على مواقع التواصل الاجتماعي، من طرف الفنانين المغاربة والموسيقيين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، ومن الشعراء وكتاب الكلمات والملحنين، ومحبي الراحل من الجمهور الذواق للفن الرفيع، يعزون بعضهم البعض في رحيل فنان مغربي أصيل حظي بالإجماع، فتواترت الشهادات في حقه منبعثة من قلوب مكلومة تأسف لفقدان شجرة الإبداع الموسيقي المغربي والعربي لغصن مياس من غصونها التي كانت وارفة بالعطاء والبحث والاجتهاد، ويبكون في رحيله رحيلا تلو رحيل لرواد الموسيقى المغربية ومبدعيها وحماتها، والذين يبرز اسم سعيد الشرايبي كواسطة عقدهم وحمامتهم البيضاء التي كانت تتغنى في الأمس القريب في فرع غصنها المياد ولسان حاله يقول “العود قد ترنم .. بأبدع الترنين”. على المستوى الرسمي والمؤسساتي تواترت بلاغات نعي هذا الفنان، فقد أكدت وزارة الثقافة، في بلاغ نعيها، أن الفنان سعيد الشرايبي، الذي خلف إرثا فنيا غزيرا باعتباره واحد من خيرة عازفي العود في المغرب والوطن العربي، يعتبر “أحد الصور الناصعة للثقافة والفن المغربيين على الصعيد العالمي”.

وأشارت إلى أن مؤسسة سعيد الشرايبي تعتبر من بين الإنجازات التي ستواصل مسيرة المرحوم في الحفاظ على تراثه الغني والزاخر، وفي تعليم وتلقين الفن الموسيقي عموما والعزف على آلة العود خصوصا، إلى جانب مساهمتها في اكتشاف المهارات والقدرات في مجال العزف عبر المعاهد الموسيقية بمختلف مناطق المغرب.

من جانبه، أكد اتحاد كتاب المغرب أن الفنان سعيد الشرايبي تمكن من تشييد جسور من التواصل والتعايش بين الثقافات المختلفة، مضيفا أنه كان للراحل الفضل في توطيد العلاقة والتمازج بين بعض أنواع الموسيقى العربية الأندلسية والتركية والفارسية.

ونعت النقابة الحرة للموسيقيين المغاربة فقيد الموسيقى المغربية والعربية الموسيقار المغربي سلطان العود سعيد الشرايبي، مستحضرة ب”إجلال المسار الفني الحافل بالإبداع والعطاء المتميز والذي مكن الراحل من حب الجماهير على امتداد وطننا العربي”.

سيظل الراحل سعيد الشرايبي، الجبل الشامخ في جغرافية الموسيقى المغربية والعربية، وفي الذاكرة على غرار أسماء أضاءت المشهد الفني الموسيقي والغنائي، أسماء آمنت بقيمة الفعل الموسيقي في الرقي بالأمم والحضارات، والارتقاء بالإنسان إلى مدارج النبل والسمو. وستظل من الأسماء المنيرة في سجل الفن الراقي، ولتعلم روحه الطاهرة، وكما قال أحد محبيه في تغريدة إلكترونية، “هل للعود وقع على وصال الأرواح فوق الغمام .. وفي فؤادي مسكن لك يا ملك العود والأنغام”.

» مصدر المقال: ahdath

Autres articles