Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

معتقدات مغربية تغذي التخلف

19.01.2017 - 15:02

“الدراري كايجيو برزقهم” و”السخط والرضا” و”نار جهنم” مقولات تكبح التحرر والتقدم


أفرج جواد مبروكي، محلل نفسي بمكناس، أخيرا، عن سلسلة مقالات، يرصد فيها تأثيرات نفسية لعدد من المقولات المغربية التي تحولت إلى معتقدات، من قبيل أن المواليد الجدد يزدادون إلى الحياة ومعهم رزقهم المضمون، وسلاح «ها السخط ها الرضا» الذي يواجه به الآباء قرارات أبنائهم، فأبرز مستنداتها غير السليمة، سيما التفسير الخاطئ للدين، مقدما بعض المقترحات، التي يراها حلا وعلاجا لوقف التأثيرات السلبية لتلك المعتقدات على أفراد المجتمع المغربي وتقدمه. هنا تلخص «الصباح»، باتفاق مع مبروكي، أبرز ما جاء في تلك الأبحاث.

1

“الدراري كايجيو برزقهم”…

تعكس المقولة المغربية “الدراري كايجيو برزقهم”، حسب جواد مبروكي، المحلل النفسي، كيف ينظر المغاربة  إلى إنجاب الأطفال، كأنه استثمار أو لعبة “يانصيب”، في حين أن ذلك خاطئ تماما وله عدة تبعات سلبية، تجعل المغاربة في نهاية المطاف، مواليد صدفة لا تخطيط.

وبالنسبة إلى المتحدث، على الأزواج المغاربة أن يكفوا النظر إلى الطفل، “حلا لمشاكلنا أو علاجا لوضعيتنا”، وعليهم قبل الإنجاب، أن يطرحوا سؤالا: “لماذا نريد أن ننجب طفلا؟ أي ما هي الغاية وما هو الهدف المتوخى من وراء عملية الإنجاب؟”.

ويأتي ذلك، حسب المحلل نفسه، لأنه يوجد فرق كبير بين المفهوم الصائب “الرغبة في الطفل”، والمفهوم الخاطئ “رغبة الآباء في الإنجاب”، الذي يعتبر “ظلما وعدوانا ضد الطفل”، إذ “نأتي به إلى الحياة دون رغبة فيه ونترك الشارع ليتكفل بتربيته، ويرزقه الله، وتعلمه المدرسة، وتوظفه الدولة”.

وإذ يؤكد المحلل النفسي، أن “الطفل كَيجي بْرزْقو” معتقد خاطئ ونتاج اعوجاج في فهم الدين، يؤشر على “عدم حس المغربي بالمسؤولية في الإنجاب”، تحدث عن الفروق التي يجب إدراكها لمعالجة الوضع.

وفي هذا الصدد، أوضح مبروكي، أن “رغبة الآباء في الإنجاب”، هي ” إنجاب بدون أيّ تخطيط أو بالصدفة، أو لأن “المْكْتابْ” قرر ذلك”، أو “إنجاب بالتقليد أو “بْحال الناس” واستجابة لضغط المحيط الاجتماعي، أو  للبرهنة على الفحولة من جانب الرجل، أو للسيطرة على الزوج وتفادي الطلاق من قبل الزوجة.

وفيما يعني كل ذلك، أن الأزواج يلبون أولا رغباتهم الشخصية ويسعون إلى تحقيق مصالحهم بدون أيّ تفكير في رغبتهم الفعلية في الطفل وإنجابه، أوضح مبروكي، أن السليم هو “الرغبة في الطفل”، ويمر تحقيقها عبر مراحل عدة.

وأول تلك المراحل، “المشاورة بين الزوجين عن استعداد كل منهما والرغبة في الطفل والهدف من إنجابه ووجود أو غياب محبته”، والمشاورة حول دورهما المرتقب، في طرق التربية وكيف يتم اكتسابها، والتساؤل حول شخصيتهما وسلوكهما والبحث عن الحلول التي تجعل منهما آباء يستحقون التقدير لقيامهم بهذا الدور النبيل، وحسم القدرة على تلبية حاجيات الطفل من الناحية التربوية والنفسية والمادية.

وتنضاف تلك المراحل، إلى أخرى، هي “البحث عن نوع شخصية الطفل من مرحلة الحمل إلى نهاية المراهقة، لكسب قدرة تفهمه خلال أطوار نموه”، و”الوعي بكل الصعوبات التي سوف يواجهانها في مرافقة تربية الطفل”، و”درجة وعيهما بمسؤوليتهما تجاه الطفل طيلة حياتهما”، ومدى “الاستعداد لنظامهما اليومي ومسؤولية كل واحد منهما”.

ويقتنع جواد مبروكي، أن تلك المراحل، “لا يجب تجهاهلها ولو كانت غائبة في ثقافة مجتمعنا”، لأنها “ضرورية إذا كنا نريد تغيير مجتمعنا وازدهاره ورخاءه”، مقترحا إحداث “برنامج مدرسي لتوعية الشباب في الثانوية وتحفيزهم على التساؤل والتفكير في رغبة الطفل ودورهم كآباء في المستقبل حتى تكون لهم رؤية في هذا الموضوع واستعداد في المستقبل”.

****

2

“السخط والرضا”… الديكتاتورية الدينية

بالنسبة إلى جواد مبروكي، الطبيب والمحلل النفسي، لا يستقيم “أن نطالب بالحقوق والديمقراطية في وقت ما زالت فيه الديكتاتورية المتمكنة سائدة داخل بيوتنا” في المغرب، سيما ديكتاتورية الوالدين على أبنائهم، والأخ على أخته ولو كان أصغر سنا منها، والأب على الأم، والتي من تمظهراتها سلاح “ها السخط ها الرضا”، الذي يعترض به الوالدان على رغبة الأبناء في الاستقلال عن الأسرة.

وإذا كان البحث عن رضا الوالدين، من الناحيتين الدينية والإنسانية، حسب مبروكي، “شيئا محمودا”، و”يلعب دورا مهما لتوازن شخصيتنا وراحة ضميرنا، وعامل مهم في استقرار وراحة وأمان المجتمع”، إلا أن الأمر، لدى المغاربة، يشوبه “سوء فهم خطير”، ناتج عن “تأويل ديني خاطئ أرساه رجال الدين للسيطرة على الأبناء بطريقة ديكتاتورية”.

ولتبديد اللبس الحاصل، يقتنع المحلل النفسي، أنه “لا يكفي أن ينطق الوالدان بـالله يْرْضِ عْليكْ اَوْلْدي، لكي يضمن رضاء الله على هذا الولد”، لأن الدين أصلا، “لم يطلب من الوالدين أن يرضيا أو لا يرضيا على أبنائهما، بل طلب من الابن أن يجهد في كسب رضاء الوالدين”.

وتبعا لذلك، يضيف مبروكي، أنه “إذا بذل الابن أقصى ما في وسعه لرضاء الوالدين، فالله يعلم ما في القلوب، ومنطقيا لن يحاسبه على ما هو خارج عن قدرته”، وبالتالي، إذا لم يكتف  الوالدان بما يقدمه الابن ولا يرضيان عنه، “لا يمكن أن نعتبر الابن مسخوطا، وإن حدث ذلك، فلا يعدو أن يكون استغلالا ديكتاتوريا”.

وفي المجمل، يشدد المحلل النفسي، على أن “السخط والرضا” بالصيغة المنتشرة في المغرب، هو “ديكتاتورية- دينية”، تستعمل “للتهديد وللوصول إلى مصالح الوالدين الشخصية، وتسبب أضرارا خطيرة في العلاقات العائلية والاجتماعية”، إذ “لا وجود لأي مصدر نصي ديني يأمر الله فيه الوالدين بأن يسخطا على أبنائهما”.

وارتباطا بذلك، يرى المحلل النفسي، أن الابن الذي يريد أن يستقل عن والديه ليتخذ سكنا له ولزوجته وأبنائه، أو ترفض الفتاة الزواج من شخص ما، “ليس خطأ، بل من صميم حقوقهما”، أما “البحث عن رضاء الوالدين، فلا يجب أن يكون خوفا من سخطهما، بل لمحبتهما ولرضاء الخالق ومحبته بدون أي خوف أو إرهاب”.

ويدعو المحلل النفسي، إلى “التحرر من هذا المفهوم الديكتاتوري، وغيره من المفاهيم التي صنعت من أجل السيطرة على المجتمع وإرهابه، وترك فطرتنا تبحث بذاتها، عبر مراجعة النصوص بالحكمة والعقلانية، والابتعاد عن الذي يظن أن لديه علم كل شيء ويروي لنا منتجات أفكاره المحدودة التي ينسبها إلى الحقائق الدينية”.

***

3

التهديد بجهنم… أطفال متطرفون

لا يتردد مبروكي، المحلل النفسي، في القول إن أصول التطرف لدى الشباب، سواء بالابتعاد اللاشعوري عن الدين وفضائله، أو بالغلو فيه وممارسة التدين الشكلي والسطحي وممارسة الوصاية على الآخرين، يساهم فيها عامل، لا يتم الانتباه إليه، ممثلا في التهديد بنيران جهنم خلال الطفولة، وتلقينهم مفاهيم خاطئة عن الحرام والعذاب والنار وقسوة الله.

وانطلق المتحدث، في شرح ذلك، استنادا إلى حالة طفل عرضت عليه في العيادة، إذ جيء إليه بالطفل يشكو أرقا مزمنا ونوبات رعب شديد طيلة الليل، حتى أنه صار يتبول لا إرادايا في فراشه، وسيتبين للطبيب النفسي، أن السبب هو التهديد بنار جهنم.

ذلك أن الطفل، وعمره سبع سنوات، كان في زيارة إلى بيت عمته، فسألته “كاتصلي آوليدي؟”، فأجابها بالنفي، فشرعت، دون أن تدري، في تهديده بدل تحفيزه، قائلة “إلى ماصليتيش غَدي تمشي لجهنم، وغادي يحرقك الله ويعلقك من شفارك، وملي تحرق غادي يردك كيف انت، ويبقا يحرقك ويشوطك من جديد”.

وبالنسبة إلى المتحدث، تعكس تلك الحالة، طبيعة التصور الذي يلقنه المغاربة لأطفالهم، عن الله والآخرة، فينشأ فردا، كل ما يربطه بالدين وبالخالق، هو مفاهيم الحرام والعذاب والنار وقسوة الله في تعذيب الإنسان عند موته وانتقامه من كل من يخالفون أوامره في الدنيا والآخرة.

وإذا كان ذلك، “خلل كبير في مفهوم الدين والألوهية عند الكبار، يُسربونه إلى الطفل، ما يؤدي إما، إلى ابتعادهم عن الدين، أو الغلو فيه وممارسة الوصاية على الآخرين”، يرى المحلل النفسي، أن ما لا يدركه الآباء، هو أن الطفل، يحتاج “في المقام الأول إلى الإحساس بالأمان والثقة مع كامل الحنان، الذي له دور كبير في تقوية شخصية الطفل”.

وفي هذا الصدد، ينصح الطبيب، بأنه من “الأفضل أن نُشعِرَ الطفل بالحنان والرحمة الإلهية الشاملة للجميع، ومساعدته على أن يستوعب أن الدين برنامج إلهي يمكن من وسائل وآليات لتطوير القدرات الشخصية والروحانية، وبأن الحياة رحلة ممتعة، وبعد الموت سيتم اللقاء مع الإله الخالق الرحيم وسيجد بجانبه السعادة الأبدية”،وبأن “السلوك الطيب والتعاملات وفق القيم الروحانية والفضائل الأخلاقية شيء محمود عند الله”.

ويشدد المحلل النفسي، على أن ترسيخ صورة الخالق الرحيم وتحفيز الأطفال على المحبة، بدل التهديد بالنيران وصورة الخالق المنتقم، “سيحدث تغييرا إيجابيا بداخل الطفل، ويزيد في ثقته بالله وبالإنسان وبنفسه، وبطريقة طبيعية سيميل إلى هذه المفاهيم الإيجابية المرسخة في ذهنه، وتتجه سلوكاته إلى كل ما هو طيب وخير”.

ويؤكد جواد مبروكي، أنه وفقا لعلم النفس، “إذا طلبنا من طفل فعل شيء طيب وأكدنا له أن غايته في الحياة هو فعل الخير، فإننا نرسخ لديه في ذهنه مفاهيم الخير والمحبة، وهذا الترسيخ يكون مصدر إلهام وإرشاد روحي، حيث يغلب عليه التوجه السلوكي الإيجابي طيلة حياته”.

*****

4

نفاق الحلال والحرام…

يشدد مبروكي، المحلل النفسي، على أن الدين، كان إسلاما أو غيره، يظل جزءا من مكونات شخصية المغربي والمجتمع بأكمله، ومن زاوية التحليل النفسي لعلاقة المغربي بالدين، غير أنه، وبسبب انتفاء “النضج العقلاني”، توجد تناقضات في تلك العلاقة، تجعل كثيرا من المغاربة يعيشون، تحت تأنيب الضمير وحيرة البال ومرارة العذاب النفسي، سيما في قضية الحلال والحرام.

ففي الوقت الذي يشنف الفقهاء سمع المغربي، يوميا بما هو حرام وحلال، ينتفي أي أثر لكلامهم في الشارع أو البيت أو العمل، من قبيل انعدام احترام الآخر والعنف المسلط على النساء، والإدمان على المخدرات، والدعارة بعلم من الوالدين، ما يولد، لدى المحلل النفسي، أسئلة كبيرة، مثل أين التدين الذي يفتخر به المجتمع؟ وأين هو التحول الروحاني الذي من واجب الدين أن يحدثه؟

بالنسبة إلى مبروكي، يرجع ذلك التناقض، إلى عدم تعليم المغربي منذ الصغر ضرورة البحث الذاتي في حقيقة جميع الأمور بما فيها الدين، وضرورة التوصل إلى القناعة الشخصية في الإيمان وليس بالتبعية للآباء والأجداد من خلال منطق الوراثة والتقليد.

ذلك أن البحث الشخصي والفردي، المرتكز على حرية الفكر والوجدان، وحده ينتهي بالفرد إلى التوصل إلى حالة التشبع بقيم الدين ويصبح جزءا منه ويحصل امتلاكه، وحينئذ يمكن أن يحدث التغيير الروحاني المنشود، متجليا في الهوية والشخصية والسلوك والتصالح مع الذات والمحيط، ليكون الهم التلقائي هو خدمة المجتمع بالقيم والفضائل الدينية.

والمدخل إلى تحقيق ذلك، وفق مبروكي، هو تحرير المغربي من الحالة السلبية التي تجعل منه مجرد منتسب إلى دين ما وتابع للمرشدين من الدعاة وتأويلاتهم الشخصية، أي أن يفكر بعقله وليس بعقل الفقيه، ويسلك الحياة برأيه المتوافق والمتناغم مع روح دينه، لأن الإنسان النافع اليوم، هو ذلك الذي يخدم المجتمع ويساعد في ازدهاره بقناعاته الصادقة، وليس بالتبعية القسرية.

5

فقهاء يكبحون التقدم

يشدد المحلل النفسي، على أن الاعتقاد المترسخ الذي يعتبر الدين علما، هو السبب وراء كثير من مظاهر الجهل والتخلف والتطرف التي تعيشها مجتمعات كثيرة، بينها المغرب، مشددا على أنه عندما يفهم الناس الوظيفة والمعنى الحقيقيين للدين، ستنتهي السيطرة عليه من قبل الفقهاء، ما سيسمح باختفاء كثير من المظاهر السلبية في شوارعنا، ويستأنف قطار التقدم سيره العادي بدون عرقلة.

للوصول إلى تلك الخلاصة، قام المحلل النفسي، بتحليل الأسباب التي تجعل الدين كابحا للتقدم، فانتهى إلى أن السبب هو اعتباره علما، كالهندسة والطب، ما أدى إلى ظهور “العلماء”، و”المتخصصين في الدين”، الذين قاموا بالسيطرة عليه، فبدؤوا يقودون الناس كقطيع الماشية، في حين أنه لو كان الدين، يفوق القدرات العقلية للأغلبية، لم يكن ليوجه إلى كافة الخلق.

ويشدد المحلل النفسي، على أن تلك السيطرة، انطلقت في فترة لم يكن فيها الولوج إلى حفظ الكتاب السماوي والأحاديث النبوية، فرصة متاحة للجميع، لذلك لما ظهرت المدرسة الحديثة، كان طبيعيا أن يحس “العلماء” بالخطر، فطفقوا يقللون من شأنها، ويعتبرون، مثلا، التعلم الآتي من الغرب ضد الدين، وهدفه تدمير العقيدة والمجتمع.

ولما شرع “العلماء”، في فرض “علمهم” على الآخرين، أوقفوا قطار الحداثة والتقدم، ورجعوا بالمجتمع إلى الوراء، فمأسسوا للتطرف بإرهاب كل من خالفهم،  وبالتالي، صار لزاما اليوم، تحفيز الناس على معرفة المعنى الحقيقي للدين، بما يتيح التحرر من سيطرة الفقهاء عليه، لإنهاء كثير من المشاكل والتناقضات في المجتمع وسلوكات أفراده.

ويرى المحلل، أن من بين ما يجب تصحيحه، الاعتقاد بأن الدين “اقتناع جماعي وميراث عبر الأجيال”، بتلقين الناس، حقيقة أنه “اقتناع شخصي  يصل إليه  الفرد بطريقته الخاصة في بحثه عن الحقيقة”، وبأن الدين هو “حرية العقيدة وحداثة الفكر، وبألا حاجة لواسطة بين الفرد وخالقه، وهو أمر شخصي محض، ولا حق لأي أحد في التدخل في العلاقة بين المؤمن والإله”.

أما على مستوى وظيفة الدين، فهي الإدراك أن “الدين برنامج روحاني لرقي الإنسان في ممارسة الحياة اليومية، وهو في متناول الجميع، لأنه بعث ملائما لقدرات العقل البشري”، وهو “ليس هوية، بل أعمال تهدف إلى تطوير القدرات الروحانية وتحقيق ازدهار وأمان المجتمع”، و”برنامج إلهي يتطور مع تطور الإنسانية”.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles