Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

العنف بين التلميذ والأستاذ.. الوجه الآخر لفشل المشروع التربوي

02.04.2015 - 15:04

شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا في حالات العنف داخل محيط المدرسة أو خارجها، سواء على مستوى العنف اللفظي والجسدي أو العنف المادي، اللذين يتبادلهما كل من التلميذ والأستاذ في حق بعضهما البعض. فالمعطيات المتوفرة حول تنامي وتيرة العنف في الوسط التعليمي صادمة، والعنف أصبح صارخا في بعض المؤسسات التعليمية، خصوصا تلك الموجودة بالأحياء الشعبية، حيث تنشط تجارة المخدرات، ويتوفر المرتع الخصب للعنف، الذي يقتحم فضاءات خاصة بالتربية والتعليم، ويتغلغل فيها مصيبا أطرها وأجهزتها بالعجز عن تحقيق الغاية من المنظومة التعليمية.
فكثيرة هي شهادات كلا الطرفين، وكثيرة هي الأشرطة المصورة، التي توثق بالصوت والصورة لتدهور علاقة هذا الثنائي وتأزمها بشكل يدعو إلى القلق، خصوصا وأن هالة القدسية والاحترام سقطت عن كل من المدرسة والفاعلين تحت سقفها، ولم يعد للأستاذ حق التبجيل والوقوف احتراما، ولم يعد المكلفون التربويون والحراس العامون والإدارة في مركز قوة تفرض على التلاميذ الانضباط وتوجه تصرفاتهم وتقومها. فالعلاقة التي كانت تربط بين مكونات المدرسة تحولت وفي ظرف وجيز، من مكان كان أشبه بدار للعبادة والتعبد، إلى حلبة صراع وملاكمة الغلبة فيها والبقاء للقوي.
ذلك أن عددا مهما من الأساتذة هشم تلاميذ وجوههم وأصابوهم بعاهات أو جروح تتفاوت درجة خطورتها. وكثير من التلاميذ تحولوا من تلميذ الأستاذ إلى ضحيته، وفقد بعضهم بصره نتيجة تعنيفه، وغادر آخرون فصول الدراسة نهائيا بسبب تعنيف الأستاذ لهم نفسيا عبر سبهم وشتمهم وإهانتهم أمام باقي زملائهم.
هذه العلاقة، صار يتبادل فيها الأستاذ والتلميذ الاتهامات بخصوص من يتحمل مسؤولية استشراء العنف في الوسط المدرسي، والتي يحملها كل فرد منهما إلى الآخر، وكل منهما يعتبر أن الحق في صفه، ذلك أن علاقة الأستاذ والتلميذ، تحولت اليوم، إلى علاقة جدلية تقوم على خطاب العنف والتوتر المتبادلين. ذلك أن الشهادات الحية وواقع الحال ينذر بكارثة تكاد تعصف بنظام المغرب التعليمي، الذي يعد الحجرة الأساس في بناء مجتمع سليم وقويم، فعوض أن تتعلم الناشئة داخل المدرسة باعتبارها فضاء للتعلم والتربية وتنشئة القيم المجتمعية الصالحة، نجد اليوم هذه الناشئة سلكت مجرى معاكسا، وتقوت لدى بعضها نزعة العنف بكافة أشكاله، اللفظي والجسدي وحتى الرمزي، وإلى جانبها أيضا نجد بعض «المعلمين» الذين تتركز مهنتهم أساسا في تلقين الناشئة قيم التربية والتعليم، نجدهم، قد خرجوا نوعا ما عن مسارهم الأول، وصاروا يتبنون خطابات العنف.
ذلك أنه حين توجه الكلمة للتلميذ، فإنه يلقي اللوم على أستاذه، ويوجه له أصابع الاتهام أولا وقبل كل شيء. يصفه بأقدح الصفات، وينعته بأخرى أبشع، وكل ذلك يدل على كم يحمل التلميذ من فيض غضب وغيض لأستاذه. وحين تسأل الأستاذ من السبب في عنف التلاميذ وتدهور العلاقة بينهم وبين أساتذتهم، يجيب بأن السبب يكمن في تربية آبائهم، الذين لا يواكبون مسارهم الدراسي ولا يهتمون بهم، إضافة إلى أن المجتمع الذي ينشؤون فيه ربما يكون عنيفا…
أعذار كل منهما تختلف وتتعدد، لكن المتفق عليه أن كلاهما يوجه أصبع الاتهام للآخر، ويعتبره من أدى إلى تدهور علاقة من المفترض أنه يجب أن تتسم بالاحترام والتقدير المتبادل، وذلك بحسب مكانة كل منهما داخل المنظومة التعليمية، فمن يا ترى دفع بهذه العلاقة إلى الهاوية، وجعل المدرسة المغربية تعيش أزمة قيم وأزمة خطاب من المسلمات أنه يجب أن يحث ويبنى على الحوار والتواصل لا على العنف والجدل، والمحصلة تفيد بأن المنظومة التعليمية تكاد تختنق بتلوث فضاءاتها بسبب عنف الفاعلين تحت سقف مؤسساتها التعليمية من تلاميذ وأطر إدارية وتعليمية.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، من يتحمل مسؤولية تردي أوضاع المدرسة المغربية وتدهور جودة التعليم وبروز مظاهر مشينة تكون قاعات الدرس وفضاءات المدرسة مسرحا لها، ومن يصلح ذات البين بين التلميذ والأستاذ لتعود إلى سابق عهدها في احترام متبادل واعتراف بحقوق وواجبات كل طرف على حدة، ومن يحد أو يقلص من ظاهرة العنف التي تغلغلت وتجدرت في بعض المدارس المغربية، وأثرت سلبا على جودة عملية التربية والتعليم.

عنف لفظي وجسدي حد الإغماء
6
مازال والد التلميذة مريم يتذكر، حين تلقى اتصالا هاتفيا من المدرسة الإعدادية حيث تدرس ابنته، تطالبه بالحضور فورا، ولما استفسر عن سبب الاستدعاء رفضوا إخباره بذلك على الهاتف، وحين حل بالمدرسة، كانت صدمته قوية، ففلذة كبده فاقدة للوعي، وعلامات العنف اللفظي والجسدي بادية على محياها، ولم تكلف المدرسة وإدارتها عناء استدعاء سيارة إسعاف لتنقل التلميذة لتلقي العلاجات الضرورية. بعد تخطيه المؤقت للصدمة، استدعى سيارة إسعاف وعاين والطبيب علامات العنف الظاهرة على جسد طفلته، وشهادة ابنته عما تعرضت له، والسبب بسيط بحسبه نظير العنف الذي تعرضت له مريم.
وفي اتصال هاتفي مع «المساء»، حكى الأب تفاصيل واقعة تعنيف ابنته داخل مؤسستها والتي ترجع أحداثها إلى زوال يوم 14 يناير من العام الحالي، حيث تعرضت التلميذة القاصر، للعنف اللفظي والجسدي إلى أن فقدت الوعي. كل هذا بسبب رفض التلميذة الانصياع لأمر أستاذتها التي أمرتها بـ»جمع الفوضى» التي لم تحدثها. وبالتالي أخذتها الأستاذة إلى حيث يعاقب التلاميذ المخالفون، لفظيا ونفسيا وجسديا.
مريم ليست الوحيدة التي عنفت داخل مدرستها، فتلميذة أخرى أصغر سنا، وفي بداية مشوارها الدراسي كانت محط سخرية الأستاذ وعنفه اللفظي، حيث وثق الأستاذ للعنف الذي مارسه على تلميذته بالصوت والصورة حيث استهزأ منها لكونها لا تجيد كتابة الرقم 5، وتمادى في استهزائه بها وقام بنشره على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتنضاف للقائمة، أستاذة ظهرت في شريط فيديو يوثق لشجار دخلت فيه مع تلميذها، حيث استعملت عبارات السب والشتم في حقه وحق أسرته من قبيل «أمك مرباتكش»، في حين تبقى خلفيات هذا الشجار ودواعيه مجهولة.
كما تفيد بعض المصادر، تعرض بعض التلاميذ للتحرش الجنسي من قبل الأساتذة، إلى جانب تعرض بعضهم الآخر إلى الإصابة بعاهات مستديمة، أو جروح بليغة تطلبت تدخلات طبية. كما توجد مدرسة بإحدى مناطق المغرب، عوض الاتصال بالآباء، تعاقب تلامذتها الذين يتغيبون عن حضور حصصهم الدراسية بضربهم ضربا مبرحا على مستوى الأيدي، وهنا تشير المصادر ذاتها، إلى أن هذا الفعل يحرم الآباء من معرفة أسباب الغياب، والأماكن التي ارتادها أبناؤهم بدل قاعات الدرس.
وعنف الأستاذ الموجه صوب التلاميذ لا يتوقف عند حدود تعنيفهم لفظيا وجسديا ولا يقتصر عليه فقط، بل ينضاف له عنف من نوع آخر مارسته أستاذة على تلامذتها، ويتعلق الأمر هنا بأستاذة الفلسفة التي جرى توقيفها عن التدريس بإحدى الثانويات التأهيلية للعاصمة الإدارية الرباط، وذلك على خلفية ما نشرته على حائطها الفيسبوكي من صور وكتابات مخلة بالحياء والآداب العامة. ذلك أن حديثها عن الجنس والملذات والمشروبات الخمرية، ونشرها لصور «مثيرة» تخدش الحياء وتخل بالآداب العامة، كان محط متابعات من قبل تلاميذها، وتلامذة الثانوية التي تدرس بها، حيث أن هذه الأستاذة «تمادت» في علاقتها مع تلامذتها إلى حد قبول طلب صداقتهم لها في العالم الأزرق.
وبحسب آراء مجموعة من المواطنين المغاربة، تخدش هذه الصور سمعة المعلم الذي كاد أن يكون رسولا لتلامذته، ولا تليق تصرفات هذه الأستاذة بالمؤسسة التربوية وأطرها التي تحرص على تربية وتعليم الجيل الناشئ، خصوصا وأن هذا الجيل كان حريصا على متابعة ستاتوهاتها العلنية التي تجردت فيها من كل ضوابط الأستاذة.
التلميذ: مخدرات وتهديد بالتصفية الجسدية
حين يكون هدف التلميذ من ولوج أبواب المؤسسات التعليمية، يتلخص أساسا في إثارة الشغب داخل الفصل الدراسي، سواء بإثارة الضجيج الصاخب وخلق جو لا يسمح بمتابعة الدراسة، أو عن طريق العبث داخل القسم وقد تصل أحيانا أخرى إلى حد توجيه لكمات أو طعنات للأستاذ وهو داخل قاعة الدرس يؤدي واجبه المهني.
من بين هؤلاء التلاميذ الذين وجدوا ضالة الشغب داخل فضاءات المؤسسة التربوية، تلميذان نشرت صورة لهما، وهما يقتعدان آخر طاولة في الصف المدرسي، إذ تحتسي التلميذة مشروبا كحوليا، فيما يهم التلميذ بإشعال «فتيل» لفافة سجائر، وهما في ذلك يحاولان مداراة أفعالهما بكتاب وضعاه بشكل طولي، كي لا يلفتا نظر الأستاذ، كاعتراف ضمني منهما يؤكد أن أفعالهما تلك، لا تناسب المؤسسة التعليمية حيث من المفترض أن يتلقيا التربية أولا قبل التعليم.
وإلى جانب هذه الصورة، عرف الوسط التعليمي، حدثا آخر مشينا بقدر الحدث الأول وأكثر، ويتمثل في العنف الجسدي الذي تعرض له أستاذان، الأول يدرس بإحدى الثانويات الإعدادية، وجد نفسه في مرمى تلميذ هاجمه باستعمال حجارة أدت إلى إصابته إصابات بليغة على مستوى الرأس. أما الأستاذ الثاني، فكان يؤدي واجبه المهني، حين باغته أحد تلامذته بسلاح أبيض، وهو الذي لم يكن يحمل سوى بعض الطباشير يخط بعض تمارين الرياضيات، على سبورة سوداء، بقدر قتامة الفعل المرتكب ضد الأستاذ داخل قاعة يفترض أنها قاعة درس تربية ورياضيات. هذا الفعل العدواني تسبب في نزيف للأستاذ وتكون جرح غائر على مستوى قفاه.
عنف هؤلاء، لم تسلم منه حتى نساء التعليم، حيث هن الأخريات تطاول عليهن تلامذتهن، وكن محط عنفهم، حيث ظهر أخيرا فيديو لتلامذة منعوا أستاذتهم، باستعمال القوة، من مغادرة قاعة الدرس، بعدما عجزت عن مواصلة عملها بسبب الضجيج والأصوات الغريبة، وهمت بالمغادرة احتجاجا منها على انعدام سبل تدريسهم، واعتراضا منها على عدم انصياعهم للقوانين الأخلاقية التي تفرضها المؤسسة التعليمية بشكل عام.
ونحن نشاهد الفيديو وما دار داخل القاعة، يتبين لنا جليا أن الأستاذة عجزت عن إدارة فصلها والسيطرة على تلامذتها، في خرق سافر لسلطة الأستاذ ودوره في تدبير قاعة الدرس وضبط التلاميذ، وما هو إلا مشهد ليوثق لبعض مشاهد الانحطاط التي باتت المدرسة المغربية مسرحا لها.
فهذه السلوكيات اللاتربوية التي صار بعض التلاميذ ينهجونها ضد مدارسهم وأطرها التعليمية والتربوية، من شأنها أن تمس بسمعة منظومة التعليم بالمغرب، وتؤثر أيضا سلبا على مردودية التعليم وإنتاجية الأستاذ والتحصيل العلمي للتلاميذ. ذلك أن إثارة الشغب داخل الفصل، لا تؤذي فقط الأستاذ، بل تؤذي أيضا حتى التلميذ المجتهد المنضبط وذلك بالتشويش على عملية تعلمه، كما أنه إن لم يتم ضبط العنف والسيطرة عليه، فإن عدوى العنف وفيروسه، حتما وقطعا ستنتقل لتصيب تلاميذ آخرين.

شهادات صادمة: الأساتذة خائفون على حياتهم
5
ومع تنامي موجة العنف التي عصفت بأبجديات علمية التربية والتعليم، وتبادلها من قبل كل طرف صار الأساتذة خائفون من تلامذتهم، وصار التلاميذ أيضا خائفين من أساتذتهم، وهو ما ينذر بالقدر الذي تدهورت به هذه العلاقة لتتحول من الاحترام والتقدير المتبادل، إلى العنف والخوف المتبادل.
فقد أفادت بعض المصادر التعليمية، أن الأساتذة أصبحوا يخشون على أنفسهم وعلى حياتهم، وصاروا يميلون أكثر إلى اتباع «السبل السلمية» في طريقة توبيخ التلميذ إذا ما اقترف فعلا يخالف أعراف المدرسة وتقاليدها. فمثلا حين لا يكتب التلميذ واجباته أو لا ينجزها، فإن الأستاذ صار يتعاطى مع هذا الفعل بالتغاضي عنه، درءا لأي تصرف عنيف قد يصدر عن التلميذ، كما أنهم أيضا صاروا يخشون التلاميذ «المقرقبين» ويتفادون الاصطدام بهم ما أمكن، كما أنه عند انتهاء الحصص الدراسة، وخصوصا عند الساعة السادسة مساء، يقذف الأساتذة من كل جانب بكلمات نابية دون معرفة مصدرها. هذا العنف الذي يقذف به الأساتذة كأنهم «شياطين» تحمل شهبا نارية، يعزوه البعض إلى تعاطي التلاميذ للمخدرات، ذلك أنه تم خلال سنة 2009 فقط، تسجيل 1000 حالة عنف مدرسي، صنفت 40 في المائة منها في خانة العنف البدني، فيما توزعت النسبة الباقية بين العنف النفسي ثم الجسدي، تتمثل بعض أسبابه في تعاطي المخدرات وانتشارها داخل الوسط التعليمي، حيث بحسب أرقام وزارة الصحة، فإن 15 في المائة من التلاميذ والتلميذات يدخنون السجائر ويستهلكون بعض أنواع المخدرات.
ويرى محمد مصلح أستاذ للتعليم الثانوي بمدينة الحسيمة، في حديثه لـ»المساء»، أن الأستاذ صار يعاني صعوبات عديدة على مستوى التحكم في فصله وحسن تدبيره، بسبب ارتفاع موجة الشغب، ومنع العقوبات الزجرية وتعويضها بأخرى كأشغال البستنة والترتيب والتنظيف، وهي الإجراءات التي يعتبر أنها ساهمت تدريجيا في تزايد موجة عنف التلاميذ ضد المنظومة التعليمية، حتى أصبح الأستاذ «كيخاف على راسو».
ويلقي اللوم هنا، على مراكز تكوين الأساتذة التي تخالف مقرراتها ما يوجد على أرض الواقع، فرغم كل تلك المناهج التعليمية التي تدرس لهم داخل المراكز، فإنهم حين التحاقهم بالمدارس يصطدمون بمجموعة من العراقيل عل مستوى تعاملهم مع التلميذ، الشيء الذي حسب المصدر ذاته، يؤكد عدم جدوى هذه المناهج. ومضى ملقيا اللوم أيضا على المذكرات الوزارية التي جردت الأساتذة والمدارس من حق استخدام العقوبات الزجرية في حق التلاميذ المشاغبين، خصوصا وأن مجموعة مهمة من المدارس لا تتوفر على أماكن لتطبيق العقوبات التأديبية المتمثلة في أعمال البستنة…وغيرها من العقوبات الرمزية التي تضمنتها مذكرات الوزارة الوصية».
وأضاف أنه منذ انطلاقة الدراسة، يعلن بعض التلاميذ تحديهم للأستاذ، عبر عدم انضباطهم وميلهم إلى استخدام العنف اللفظي أو الجسدي أو كلاهما معا، فلم يعد الآن سهلا إدارة القسم الدراسي وتدبيره، وبالتالي صار الأساتذة يخشون تلاميذهم وينزحون نحو الطرق السلمية سواء بتجاهل التلميذ المشاغب، أو عقد حوارات أو تنبيههم لفظيا، وهي الأمور التي يؤكد مصلح، أنها ما تؤدي إلا إلى تأجج موجة العنف داخل الفصل وتصاعدها واستمرارها.
كل هذه الأمور، يتابع مصلح أنها أثرت سلبا على التحصيل المدرسي وأنه «لم يعد يمكننا الحديث عن التلميذ النموذجي والمدرسة النموذجية في ظل هذه الخروقات للمنظومة التعليمية وتدهور علاقة الأستاذ والتلميذ».
وأردف أنه شخصيا تعرض للضرب على يد تلميذه، وسلمت له شهادة طبية تثبت عجزه لمدة 18 يوما، وحين تقدم بشكاية في الأمر لدى المصالح الأمنية، تدخل مجموعة من الأشخاص وطالبوه بالتراجع عن شكايته، كما أن المدرسة لم تتخذ أي إجراء في حق التلميذ الذي اعتدى عليه بالضرب. ويضيف بأن هناك أستاذة أخرى تعرضت للتهديد بالسلاح الأبيض وتوعدا بالتصفية الجسدية على يد أحد التلاميذ، وحين تقدمت بشكاية لدى مصالح الأمن، تم فقط عقد جلسة صلح بينها وبين التلميذ.
ويتساءل الأستاذ ذاته، عن سبب غياب الأهل وتراخيهم عن تتبع مشوار أبنائهم الدراسي، ذلك أن المدارس لا تستدعيهم، كما أنهم لا يبدون أي اهتمام بمستقبل أبنائهم، وبتصرفاتهم وتفاعلهم داخل المدرسة، واصفا إياهم «بالغافلين» عن مصير التحصيل العلمي لأبنائهم.
عدم اتخاذ العقوبات الزجرية ومعاقبة التلاميذ المخالفين، كلها أمور يصفها مصلح، ومجموعة أخرى من الأساتذة، بأنها زادت من تعميق الهوة بين الأستاذ والتلميذ، وضاعفت موجة العنف داخل المدرسة، والمتضرر يبقى التلميذ والأستاذ على حد سواء.

للشغب لغة ورسالة
2
وعند طرح السؤال على التلاميذ، لمحاولة فهم تدهور علاقتهم بأساتذتهم، يؤكد البعض أن لشغبهم هدفا ومغزى ومعنى، فالبعض لا يتوجه إلى المدرسة بهدف الدراسة، وإنما يجبر على ذلك، والبعض الآخر يأتي ليشاغب كنوع من إثبات ذاته وتأكيد حضوره.
وعن سبب شجاراتهم مع الأساتذة، يؤكد بعضهم أن الأستاذ هو الذي يدفعهم لممارسة العنف، والبعض الآخر، يعتبر أن الأستاذ يفضل عليه تلميذا مجتهدا، ويعامله أحسن منه، كما يعتبر البعض أن الأستاذ صار منافسا أو ندا له لفرض السيطرة على القسم. كما يؤكد آخرون أن الأساتذة يمنحونهم نقطا متدنية بينما يمنحون تلاميذا آخرين نقطا مرتفعة لا يستحقونها، في حين يفضل بعض التلاميذ «العياقة» على الأستاذ والتلاميذ واستفزازهم عوض الانشغال بالدراسة والتركيز عليها، فضلا عن المشاكل الاجتماعية والنفسية التي يعانونها داخل الأسرة وخارجها، والتي بسببها يصبون جام غضبهم على الأستاذ. إلى جانبهم تعتبر بعض الفتيات أن هناك بعض الأساتذة الذين يتحرشون بهن، ويستعملون في ذلك مبرر التنقيط، فيما تؤكد أخريات، أن الأساتذة يفضلون الفتيات الأنيقات اللواتي تتماشين مع الموضة.

إجراءات ومذكرات وزارية

تدخلا منها لضبط ظاهرة العنف المدرسي وتطويقها، أصدرت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني مذكرة حول العقوبات التأديبية التي تأخذها مجالس الأقسام في حق التلاميذ، إذ ألغت هذه المذكرة عقوبة التوقيف التي لم تعد تأديبية والتي تعتبرها الوزارة طريقة غير ناجعة لأنها تعمق الهوة بين التلميذ وبين المدرسة وتحرمه من مجموعة من الحصص المدرسية. وفي المقابل قدمت هذه المذكرة مقترحات تأديبية تعوض الإقصاء المؤقت كإنجاز أشغال البستنة وتنظيف المكتبات المدرسية وترتيبها إضافة إلى المساعدة في تحضير الأنشطة الرياضية.
قرارات الوزارة هذه اعتبرها العديد من العاملين في الوسط التربوي أنها تساهم في تفاقم الشغب والعنف في الوسط المدرسي دون تقديم حلول ناجعة. وأنها أيضا ستشجع العديد من التلاميذ على نهج سلوكيات مستفزة وغير منضبطة دخل القسم خاصة وأنهم يعلمون أن أي سلوك يقومون به لن يعاقبوا عليه كما في السابق، وبالتالي «مابقاليهم علاش يخافوا».
ومن بين إجراءات الوزارة الرامية للتقليص من ظاهرة العنف المتبادل بين الأستاذ وتلميذه، والتي صارت تنخر الجسد التعليمي المتهالك، وأثرت سلبا عليه وحدت من بعض فاعليته، فتحها لتحقيقات تعتمد على أشرطة الفيديو التي تنشر وتوثق لبعض ما يجري داخل المؤسسات. حيث أعلنت الوزارة ذاتها أنها قامت بتنسيق مع مصالحها الخارجية من أكاديميات جهوية ونيابات إقليمية ومؤسسات تعليمية، بإجراء «التحريات الضرورية» لمعرفة مصدر أشرطة، تداولتها صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، تظهر حالات عنف لفظي ونفسي داخل الفضاء المدرسي، والكشف عن هوية من يظهر فيها من التلاميذ والأساتذة.
وهي الإجراءات الزجرية التي تعتمد في الأساس، على رصد تجاوزات رصدتها بالأساس كاميرات المتواجدين داخل الوسط التعليمي صوتا وصورة. وهي الإجراءات التي يراها مجموعة من المهتمين بهذا الشأن ومتابعيه من أولياء الأمور، ومواطنين وغيرهم، وسائل غير ناجعة للحد أو حتى التقليص من نسبة العنف داخل الوسط المدرسي.
فما دامت الوزارة تعتمد في تحرياتها على ما يتم نشره، ويخرج للعلن، فالوزارة تنتظر حتى يبث شريط يوثق لحالات العنف لتتحرك وتتدخل، فهنا يطرح تساؤل حول تلك التجاوزات والتطاولات التي تنال من التعليم، عبر استهداف التلميذ والأستاذ، وتظل في طي الكتمان لأنها لم تجد من يخرجها للعلن، ففي هذه الحالة من يا ترى يكفل للتلميذ حقه تجاه الأستاذ المعنف، ومن الذي سيكفل للأستاذ ويضمن حقه في حالة تعرضه للعنف من طرف تلامذته، خصوصا وأن ما ترصده الفيديوهات والصور المسربة، يثير القلق حول وضعية المنظومة التعليمية، وغياب الأمن والمراقبة داخل مؤسساتها.
وضبطا منها لموجة العنف التي تفاقمت حدتها داخل الوسط المدرسي، قامت الوزارة، أخيرا بإرساء المرصد الوطني لمناهضة العنف بالوسط المدرسي الذي يهدف إلى رصد وتتبع حالات العنف، بتعاون ومساهمة جميع الأطراف المتدخلة من قطاعات حكومية ومؤسسات وطنية ومجتمع مدني.
وبحسب بلاغ لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، فإن إرساء هذا المرصد يندرج في إطار تفعيل الاستراتيجية المندمجة لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني في مجال الوقاية ومحاربة العنف بالوسط المدرسي، التي تهدف إلى تقوية القدرات المؤسساتية للمدارس وكذا للمتدخلين في المؤسسات التعليمية، كما تروم الوقاية من العنف داخل وفي محيط المؤسسات التعليمية، ونشر ثقافة السلم واحترام حقوق الطفل، بالإضافة إلى رصد وتتبع حالات العنف بالوسط المدرسي عبر استعمال نظام للمعلومات والمتابعة والتقييم في هذا المجال.
كما أعطيت الانطلاقة الرسمية للاشتغال بنظام معلوماتي لرصد العنف بالوسط المدرسي، بهدف تمكين مديرات ومديري المؤسسات التعليمية والمسؤولين والمسؤولات عن خلايا الإنصات والوساطة، من التبليغ عن كل حالات العنف التي يتم رصدها سواء داخل المؤسسات التعليمية أو بمحيطها، مما سيمكن من إعداد قاعدة معطيات دقيقة حول خريطة العنف على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي والوطني، فضلا عن قيام الوزارة ذاتها بتنسيق مع قطاعات العدل والصحة والأمن الوطني والدرك الملكي، بإعداد مخططات عمل جهوية لمحاربة العنف بالوسط المدرسي وتنظيم دورات تكوينية لفائدة مسيري المراكز الجهوية لمناهضة العنف بالوسط المدرسي، وإبرام اتفاقيات شراكة مع بعض جمعيات المجتمع المدني، وبلورة مواثيق الحقوق والواجبات، كما تم إحداث خلايا للإنصات والوساطة وإحداث خلايا اليقظة بالمؤسسات التعليمية.
وتسهر هذه الخلايا، تحت إشراف أطر هيئة الإدارة التربوية للمؤسسات التعليمية وبتنشيط من الأساتذة المتطوعين، على تقديم المساعدة إلى التلميذات والتلاميذ الذين يعانون من مشاكل على المستوى الدراسي أو الاجتماعي أو النفسي، وتحسين التواصل والتعاون بين المؤسسة والأسرة، وتنمية روح المواطنة وتأهيل السلوك المدني للتلميذ، والمساعدة على محاربة الانحراف والإدمان على المخدرات في أوساط التلميذات والتلاميذ. كما تساعد هذه المراكز على تجاوز الفشل الدراسي ومحاربة الهدر المدرسي .

إحصائيات جمعية التضامن الجامعي المغربي للعنف المدرسي

خلال رصد جمعية التضامن الجامعي المغربي، التي تؤازر أعضاء الهيأة التعليمية، لظاهرة العنف في الوسط المدرسي بواسطة الملفات المعروضة عليها في الخمس سنوات الأخيرة استخلصت أن أسباب العنف المدرسي والاعتداءات التي يتعرض لها أفراد الهيأة التعليمية يعود إلى ثلاثة عوامل:
أولها يتمثل في مشاكل المجتمع، التي تتوزع بين انتشار البطالة والفقر والجهل، وكذا ارتفاع ظاهرة العنف في المؤسسات التعليمية الموجودة في الأحياء الهامشية والمكتظة والمتدني مستوى عيش سكانها. إلى جانب تغيير القيم التقليدية للأخلاق الفردية والجماعية. فضلا عن انتشار المخدرات في وسط المراهقين والمراهقات. أما بالنسبة للمشاكل العائلية، فترجعها الجمعية إلى ضعف الروابط الأسرية، وتراخي مراقبة الآباء لأبنائهم وبناتهم ومتابعة سلوكاتهم. ومشكل الأبناء «المدللين».
أما المشاكل المرتبطة بالمؤسسة التعليمية، فتظهر في ضعف المصداقية في المدرسة وفي وظيفة التعليم، وسوء تصرف ونقص تكوين بعض أفراد الهيأة التعليمية، فضلا عن العقاب البدني، والغش في الامتحانات وهو ناتج عن خلل في النظام التربوي، إلى جانب صعوبة التواصل بين المدرس والمتعلم وبين المدرس وآباء التلاميذ، وإرجاع فشل الطفل في الدراسة للمدرسين. نقص حماية المؤسسات التعليمية أمنيا، واستمرار قيام العلاقة بين المربي والطفل في مجتمعنا في كثير من صورها على أساس السلطوية والإكراه وهي علاقة لا شك تمثل امتدادا لعلاقات التحكم والعنف السائدة في الواقع المغربي، سواء على مستوى الأسرة أو الوسط المدرسي أو المجتمع.
وحسب إحصائيات الحالات المعروضة على جمعية التضامن الجامعي المغربي، فإن العنف والاعتداءات على أعضاء أسرة التعليم بات تاريخيا في خط تصاعدي على الشكل التالي:
سنة 1960: عالجت الجمعية 7 قضايا.
1961-1981: كان متوسط القضايا 16 في السنة.
1981-1990: انتقل إلى 87 قضية في السنة.
1990-2000: حوالي 100 قضية في السنة.
2000 إلى الآن: أصبح متوسط القضايا 150 في السنة.
وخلال ذلك سجلت أن أكثر الفئات التي تعرضت للعنف في الوسط المدرسي من بين أطر المدرسة والفاعلين التربويين العاملين تحت سقفها، هم أساتذة ومديرو التعليم الابتدائي بنسبة 47 في المائة، يليهم أساتذة ومديرو التعليم الإعدادي بنسبة 15.3 في المائة، ثم أساتذة ومديرو التعليم الثانوي بنسبة 13 في المائة، أما باقي فئات التعليم سواء بالنسبة للمفتشين والحراس العامين، والإداريين وغيرهم فتمثل نسبة تعرضهم للعنف 13 في المائة.
ويتصدر الأساتذة بمختلف الأسلاك و(أساتذة التعليم الابتدائي خصوصا) لائحة المتنازعين، ويليهم المديرون وموظفو الإدارة وعلى رأسهم أيضا مديرو الابتدائي، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الأساتذة هم أكثر الفئات احتكاكا بالتلاميذ وهم المسؤولون عن مسارهم التعليمي مما يجعلهم في مواجهة معهم أو مع ذويهم. وتشير الجمعية إلى أن القضايا المعروضة عليها سنويا، يتم إنهاؤها عبر الوسائل الودية من خلال تدخل لجن الصلح التي تتوفر عليها الجمعية في كل الأقاليم والجهات.

وقد وصل عدد حالات العنف المسجلة بجهة الدار البيضاء الكبرى والتي تمت مؤازرة أصحابها أمام القضاء لسنة 2013-2014 إلى 13 حالة موزعة على نيابات سيدي البرنوصي بأربع حالات، وعين السبع الحي المحمدي وعين الشق، بثلاث حالات لكل نيابة، أما ابن مسيك والنواصر والفداء مرس السلطان، فقد تم تسجيل حالة بكل نيابة على حدة.
ومن بين 149 حالة عنف في الوسط المدرسي، فقد توزع بعضها ما بين السب والشتم بـ72 حالة، إلى جانب الضرب والجرح بـ15 حالة والتحرش الجنسي بـ11 حالة، والعنف ضد قاصر بـ13 حالة، وخطأ الإدارة بـ 3 حالات.
أما الأحكام الصادرة في بعض القضايا المعروضة على جمعية التضامن الجامعي المغربي لسنة 2013-2014، فقد تم بتاريخ 16 شتنبر 2013، البث في قضية إهانة أستاذ أثناء قيامه بواجبه من قبل وليتي تلميذتين، وحكمت المحكمة لصالحه، بشهرين موقوفة التنفيذ وبغرامة قدرها 500 درهم، كما تم البت في قضية العنف ضد قاصر، رفعتها أسرته ضد أستاذ، حكم عليه بشهر واحد حبسا موقوف التنفيذ وغرامة نافذة قدرها 500 درهم.

إصلاح ذات البين
تعددت أشكال عنف الأساتذة الممارس على التلاميذ واختلفت بحسب توجهات كل أستاذ على حده، ذلك أنه لا يمكن إنكار ما يتعرض له التلميذ على يد أستاذه، كما أنه في السياق ذاته لا يمكن إنكار ما يتعرض له الأستاذ على يد تلميذه. فتلك الفيديوهات وشهادات التلاميذ والأساتذة، التي وثقت لخطاب ولغة أنتجها فاعلون داخل الحقل المدرسي، كشفت بعضا مما يشوب المنظومة التعليمية المغربية، وأماطت اللثام عن بعض أوجه اللانظام التي تستشري داخلها، وسادت مفسحة المجال أمام تدهور المدرسة وتدهور علاقة التلميذ والأستاذ، فمن يا ترى القادر على إصلاح ذات البين بينهما.
ورغم اختلاف مبرراتهم، إلا أن واقع الحال يؤكد أن مثل هذه الممارسات تضرهم وتضر بمصلحتهم كتلاميذ وكمشاريع جيل الغد، كما تضر بصورة الأستاذ معلم جيل الناشئة. وأمام هذا الوضع المؤلم، يعجز على كل الفاعلين سواء في الحقل التربوي أو خارجه، أن يجدوا لها حلا ويقطعوا مع هذه التصرفات التي تضر بمصلحة التلميذ ومصلحة المنظومة التربوية المغربية ككل.

رشيد جرموني: المجتمع يربي المدرسة والمدرسة تربي المجتمع

ما تفسيركم لظاهرة العنف المدرسي، وللعلاقة التي تربط الأستاذ والتلميذ؟
< تسمح الملاحظات والمتابعات اليومية لواقع المدرسة المغربية بالقول بأن بلدنا يعيش على وقع موجات متعددة من أشكال العنف، سواء اللفظي أو الجسدي أو الرمزي أو حتى العنف المفضي إلى الإصابة بعاهات مستديمة، والملاحظ في هذا السياق، أن ظاهرة العنف، لا تشمل المدرسة وحدها، بل إنها تعم كل مجالات المجتمع.
وكما قال «جون بودريار»:» إنه لا يكفي مصطلح العنف لتشخيص عنف العالم، بل يفترض الحديث عن فيروس العنف، أو حمى العنف. هذا العنف الذي نحياه اليوم فيروسي، يسري كالعدوى، فيقتل تدريجيا كل ما لدينا من مناعة، وما لدينا من قابليات على المقاومة».
وعندما نقترب من التفسير السوسيولوجي لظاهرة العنف، فإننا نريد أن نؤكد أن العنف ليس ظاهرة فردية معزولة في الزمان والمكان، بل هو ظاهرة اجتماعية وعامة، وبالتالي فهو وليد شروط ومسببات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وتنموية حتى، ويتقاطع فيها ما هو محلي بما هو كوني وعالمي.
ومنه نتساءل: هل نحن أمام تحول جذري في منظومة القيم المجتمعية التي تشكل الروابط الاجتماعية للمجتمع المغربي؟ هل تعبر حالات العنف عن وجود أزمة قيم، أم قيم الأزمة؟ وهل هذه الظاهرة، تنبئ عن إفلاس المدرسة المغربية، التي لم تستطع لحد الآن أن تقدم أجوبة ملموسة وواقعية للكتلة الحرجة، ونقصد بطبيعة الحال الفئة الشابة من المجتمع المغربي؟ وهل العنف المدرسي بشكل خاص، يؤشر على إفلاس المنظومة التربوية ببلادنا؟ أم أن هذا العنف ليس سوى تعبير عن وجود احتقان اجتماعي كامن يتمظهر في سلوكات وممارسات عنيفة هنا وهناك؟
– في نظركم ما هي الأسباب التي تدفع بالتلميذ إلى مهاجمة أستاذه، وإثارة الشغب داخل الفصل؟
< للحديث عن بعض الأسباب التي تفاعلت لكي تسبب ظاهرة العنف المدرسي، يمكن الإشارة إلى العامل الاجتماعي على وجه التحديد وذلك لإبراز هذه الصور التي تترسخ في لا وعي الأفراد والمجتمع. ويمكن الإشارة فقط إلى ضعف –دون أن نقول غياب- الاحتضان الحقيقي لأغلب المؤسسات التربوية في المغرب، وكأننا أصبحنا نعيش في حالة غربة حقيقية بين المجتمع والمدرسة. وقد زكى هذا الواقع، ما ترسخ في وعي المجتمع من صور قدحية حول المعلم، وهنا تمكن الإشارة إلى العدد الكبير من النكت التي كانت تروج في الفضاءات الخاصة والحميمة بل وحتى الفضاءات العامة، مما رسخ صورا نمطية عن المدرسين تحط من قيمتهم ومن صورتهم ومن وظيفتهم ودورهم التربوي.
وقد غذت هذه الصور ما قامت به بعض وسائل الإعلام المختلفة، وعبر مجموعة من الإنتاجات الفنية، من ترسيخ صورة قدحية للمؤسسات التعليمية وللأساتذة والمدرسين، بل يمكن الادعاء، أن هذه الوسائل الإعلامية، غذت تلك الصورة التحقيرية للمدرسة، وللمدرسين، حتى تطور الأمر إلى عنف مضاد يتجه من المتعلمين إلى مدرسيهم. «فإن العنف يبدأ في الأذهان قبل أن يقع على الأبدان».
– هل يمكن اعتبار الشغب والعنف لغة التلاميذ وأداتهم لإيصال رسالتهم للمسؤولين، وإن كان الأمر كذلك فما هي الرسالة التي يبتغي التلاميذ إيصالها؟
< وجب أن نعلم أن العالم يشهد تحولات قيمية كبيرة، والمغرب والناشئة التلميذية بدورها تعيش هذه التحولات. ولكي نعطي مثالا حيا على نوعية هذه التحولات القيمية، التي داهمت مدارسنا –والتي لا نعيها حق الوعي- مسألة الحرية، فالكثير من المدرسين يعانون الآن في فصولهم بسبب تغير في العقليات والمسلكيات والاتجاهات التي يحملها التلاميذ والطلبة، فإذا كان جيل الأمس (السبعينيات أو ما قبله) يعتبر أن سلطة المدرس من سلطة الأب، وأن نجاح العملية التربوية رهين بوجود السلطة التربوية، فإن جيل التسعينيات والألفية الثالثة، لم يعد يستسيغ مثل هذه الأفكار، ولهذا فهو لا يقبل بوجود سلطة تربوية كيفما كانت، بكون أغلب حالات العنف التي تقع في المؤسسات التعليمية، مردها لهذه الفجوة القيمية التي حدثت –وفق شروط موضوعية- لكن مع كل الأسف ليس هناك وعي كاف بها، مما يخلق نوعين من الردود، كلاهما غير مجد، الحنين إلى ماض ملائكي تمثله الطاعة العمياء، أو فسح المجال لحرية أوسع، الشيء الذي يعيق عملية تدبير الفصول الدراسية وضمان سير العملية التعليمية بالشكل المطلوب.
وقد ترتب عن ما سميناه «الفجوات القيمية»، وجود حالة سيكولوجية خطيرة، تملكت المدرسين وهي التفكير في مغادرة المهنة في أقرب فرصة تتاح لهم. فالتدريس أصبح جحيما لا يطاق كما يقال. ولهذا فتسرب هذا الوعي إلى نفوس هذه الشريحة ينبئ بتحول في نظرة المجتمع لمهنة التدريس. وإذا كنا قد عانينا من تردي صورة المدرسين والمدرسة في السابق، نظرا لأسباب مركبة، وسياسية بالأساس، فإن تردي صورة المدرس والمدرسة في المخيال الاجتماعي الآن، يتماهى مع التحولات في منظومة القيم أكثر من أي شيء آخر.
– في الشق الثاني من السؤال: هل التلاميذ عندما يقومون بالعنف أو الشغب يريدون إيصال رسالة ما؟
< يمكن القول، إن ذلك ممكن، بدليل مسألة توثيق التلاميذ لبعض السلوكات الأخلاقية التي تحدثت عنها، فأنا أعتقد أن المسألة مرتبطة بتحول في تملك سلطة التكنولوجيا وتوظيفها في شتى المجالات. فكون التلاميذ بدؤوا ينقلون ما يقع في الأقسام والمدارس ليخرج للعلن، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما هو إلا تعبير عن رغبة تسكن هؤلاء التلاميذ، في نقل واقعهم لكي يصبح مفتوحا على الفضاء العام، وعلى عموم المجتمع (ربما بدواع إبراز الذات ونوع من التسلية) لكنه في نظري يعكس جزءا من تحول السلطة، أي نزع التحكم الإداري والبيروقراطي الذي تقوم به الإدارة التربوية ومعها المدرسون، إلى تحويله إلى سلطة في صالح التلاميذ بالدرجة الأولى. وهذا الأمر نقرأ فيه قدرة هذا الجيل التلاميذي على فرض ذاته وعلى تملك وعي احتجاجي عن الأوضاع التي يعاني منها. فإذا كان الآباء والمدرسون والدولة والإدارة لا تسمع لهم ولمشاكلهم ولشغبهم حتى، فإن الذي تغير اليوم، هو القدرة على تملك الآليات لخرق هذه الحواجز.
– كيف يمكن بناء مدرسة نموذجية متكاملة المهام، يعرف كل الفاعلين المتواجدين داخلها، واجباتهم وحقوقهم؟
< لكي يمكننا التقدم في بناء هذه الإشكالية، فإننا نومئ أولا إلى أنه من بين الوظائف المحورية للمدرسة، نجد: الوظيفة التنشئوية الاجتماعية: والتي تسعى المدرسة من خلالها لإنتاج وإعادة إنتاج القيم المجتمعية والمحافظة عليها وضمان استمراريتها، وبشكل خاص تربية أفراد المجتمع على مجموعة من المعايير والمبادئ والأخلاقيات الموجهة للممارسات والسلوك والاتجاهات والقيم. إلى جانبها نجد الوظيفة التثقيفية: والتي تعني نقل المعرفة والقيم الإنسانية والثقافية والفكرية في صيغتها المعيارية والنموذجية، ولعل هذه الوظيفة من أهم الوظائف على الإطلاق والتي عرفت في السنوات الأخيرة تصدعا وهشاشة في الرؤية والتنظير والتطبيق والتمثل الفردي والمجتمعي.
وفي هذا الصدد لا بد من طرح مسألة جدلية بامتياز: فالبعض يعتبر أن المدرسة جزء من المجتمع، وبالتالي فإذا كان المجتمع مريضا فإن المدرسة بالطبع تصبح هي الأخرى معتلة ومريضة وغير قادرة على القيام بأدوارها: سواء التنشئوية أو التثقيفية أو حتى التأهيلية. بينما يرى البعض الآخر –ونحن من مناصري هذا التوجه- أن المدرسة يمكنها أن تطور المجتمع وأن تقوم بدور ريادي في عملية غرس القيم وتنميتها.
– ما رأيكم في المذكرة الوزارية التي ألغت العقوبات الزجرية، هل هي الحل الأنجع للحد من عنف التلميذ والأستاذ، أم أنها عمقت الهوة بين كلا الطرفين.
< أعتقد أن الإجراءات الإدارية كافية لمواجهة هذه المعضلة الجديدة، فالظاهر أن هذه المسلكيات مركبة في الحقل التربوي، لهذا أعتقد أننا بحاجة إلى فتح نقاش عمومي شامل وصريح وشفاف، حول أدوار المدرسة العمومية: التنشئوية والتثقيفية والتأهيلية. لأن العطب يصيب كل هذه المستويات، لكن يصيب بشكل أكبر المستوى الأول، وأغلب التشخيصات تتوقف عند المستوى الثالث، وهو البعد التأهيلي (المعرفي) فعندما نذكر أزمة التعليم نستحضر مباشرة المعرفة حتى عند المجتمع الذي يقرن دائما المدرسة بالمعرفة أي ما يتعلمه من معارف، وليس ما يتعلمه من قيم.
وهذا النقاش، وجب أن يتوجه أساسا إلى المؤسسات التعليمية وإلى المدرسين وإلى التربويين من مدراء وحراس عامين ومدراء وإلى جمعيات الآباء والأمهات، وإلى الجمعيات التي تهتم بالمدرسة، وإلى عموم المجتمع. لأن الظاهرة لا يجب التعامل معها بقانون أو مذكرة أو دورية، بل هي مسألة سوسيولوجية وسوسيوثقافية بامتياز. وكذا التفكير في توظيف مساعدين اجتماعيين ونفسانيين في المدرسة المغربية. وقبل ذلك وبعده، إعادة الثقة في المدرسة العمومية، من طرف المجتمع «فالمجتمع يربي المدرسة والمدرسة تربي المجتمع»  إذا أردنا أن نصل إلى وضعية تعلمية مميزة.

» مصدر المقال: almassae

Autres articles