Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

عبد الكريم مطيع.. الميكيافيلي الذي قاد الشبيبة الإسلامية

31.05.2015 - 17:01

شكلت بداية سنوات الثمانينيات المرحلة الحاسمة في مسار عبد الكريم مطيع، زعيم الشبيبة الإسلامية، باعتبارها الفترة التي ستصدر فيها محكمة الدار البيضاء حكمها ضده بالمؤبد في قضية اغتيال الزعيم الاتحادي عمر بنجلون. لقد اختار مطيع أن يجعل من سنة 1981، ومن منفاه بطرابلس الليبية، بداية إعلان الثورة المسلحة بالمغرب. وقبل أن يوفر معسكرات التدريب لأتباعه بليبيا وتندوف وأفغانستان، كان قد أعلن عن الجهاد حينما أصدر العدد الأول من مجلة «المجاهد» لغزو عقول شباب التنظيم.

لقد اختار عبد الكريم مطيع أن تكون افتتاحية العدد الأول من المجلة تحت عنوان «يا خيل الله اركبي»، وهو الطريق الجديد الذي سيخلف طريق الدعوة السلمية، التي كانت تدعو إليها تصريحات مطيع السابقة، سواء حينما كان في المملكة العربية السعودية أو في الكويت ما بين 1975، تاريخ اغتيال عمر بنجلون، و1980، تاريخ صدور حكم الإدانة في القضية. أما لشرح هذا التحول، فقد أضاف مطيع في العدد نفسه من مجلته نداء آخر تحت عنوان: «حي على الجهاد». جهاد تسبب وقتها في محاكمة قرابة مائة شخص، واغتراب العشرات، دون أن يتمكن تنظيم مطيع من تنفيذ أي عملية بالمغرب، باستثناء اتهامه بالوقوف خلف الهجوم على فندق أطلس آسني بمراكش صيف 1994. أما بعد ذلك، فقد اختار مطيع الدخول فيما سماه البعض حرب البيانات بدلا من حرب العصابات التي كان قد هدد بها.
ورغم أن جميع التحضيرات لهذا الهجوم، تمت باسم تنظيم الشبيبة الإسلامية، إلا أن عبد الكريم مطيع ظل يتحاشى الحديث عن المشرفين على تنفيذها طوال سنوات.
سيتلقى تنظيم عبد الكريم مطيع ضربة أمنية موجعة بعد محاكمة مجموعة 71 سنة 1984 واضطراره إلى مغادرة ليبيا صوب الجزائر، وخلافه مع مسؤولي المخابرات الجزائرية، بعد احتضان العديد من أتباعه وتدريبهم عسكريا، واحتجاز عدد منهم، جعلته يتخلى عن رهانه على ليبيا أو الجزائر في دعم مخططاته، وأصبح يفكر في لعب أوراق أخرى دون أن يظهر في الواجهة.
ومباشرة بعد صدور «المجاهد»، اشتد الخناق والطوق الأمني على عدد من شباب التنظيم، وكان مطيع وقتها يحتاج إلى من يتدرب على حمل السلاح، فكان أول بلد يتم التفكير فيه كخلفية آمنة، ومكان إقامة لا يضع جميع أعضاء التنظيم تحت رحمة الليبيين، هو فرنسا.
بعد إشراف أعضاء هذه اللجنة على التداريب العسكرية بتندوف، التي استفاد منها أعضاء التنظيم القادمون من فرنسا، إلى جانب مجموعة وجدة، أصبحت المخابرات الجزائرية تحاول استقطاب القادة الميدانيين للشبيبة بعد خلافها مع مطيع. ويشرح أحد أعضاء التنظيم كيف أنه «حين كنا نوجد بتندوف، انتبهنا إلى أن هناك من بين الجنود المغاربة الذين وقعوا في الأسر أعضاء سابقون بالشبيبة، فطلب مطيع من الجزائريين تسليمه هؤلاء الجنود ليشكلوا نواة لتنظيمنا العسكري، لكنهم رفضوا الطلب، وحاولوا إقناع مطيع بإصدار بيان يعترف بالجمهورية الصحراوية، ويدعو الجيش المغربي إلى التمرد، الأمر الذي رفضه مطيع، واكتفى بالدعوة إلى حقن الدماء بين الجانبين».
غير أن حلم مطيع بزعزعة النظام المغربي بالقوة، لم يتحقق. ويعترف زعيم الشبيبة الإسلامية في أكثر من استجواب صحافي بذلك، حينما يقول:
«إني حاولت بعد أن أخرجت أسرتي من المغرب، اللجوء إلى إيران وذهبت إلى طهران والتقيت بالمسؤولين في أوائل سنة 1980، ولكنهم عرضوا علي أن يزودوني بالأسلحة، فرفضت ذلك، وقلت لهم إنما أريد أن تسمحوا لي بأن أكتري بيتا أضع فيه أسرتي وأبحث عن مدرسة عربية يتابع فيها أبنائي دراستهم، ولما لم يقتنعوا بوجهة نظري ومطلبي تركت إيران، ثم طلبت اللجوء إلى الجماهيرية، فرحب بي الإخوة هناك، وأقمت آمنا مطمئنا بين إخوتي العرب المسلمين، أربي أبنائي بينهم على دينهم وعروبتهم، لم يطلبوا مني شيئا ولم أطلب منهم شيئا».
لم يكن عبد الكريم مطيع، وهو أكبر زعماء الشبيبة الإسلامية، والذي اختار المنفى الليبي، بعد سنوات قضاها في المملكة العربية السعودية، منذ عهد الحسن الثاني، بعد أن اغتال بعض المنتمين لجماعته للمناضل الاتحادي عمر بن جلون، والذي قادت التحقيقات إلى تورط مطيع في هذه الجريمة حسب مرتكبيها، يخفي أنه معارض لنظام الحكم الملكي في المغرب، على عهد الملك الراحل، قبل أن يختار حينما تولى محمد السادس العرش، بعث رسالة مفتوحة إلى الملك الجديد، حافظ فيها على نفس الخطاب.
فقد ظل عبد الكريم مطيع لا يخفي في كل مناسبة أن المقربين من الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس ظلوا يرسمون سياسة البلد. واعترف أنه اختار التخاطب مع الملك عن طريق الأنترنيت، لأن الأبواب كانت لا تزال موصدة في وجهه، قبل أن يضيف إن «الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي والأخلاقي لا يزال سائدا». اليوم، وعلى الرغم من مرور كل سنوات حكم محمد السادس الذي عرف العديد من التحولات السياسية، لعل أقواها ما حمله الدستور الجديد من هامش أكبر للحرية، لا يزال عبد الكريم مطيع ممنوعا من دخول المغرب وممارسة نشاطه السياسي، على الرغم من أن رفيقه في الشبيبة الإسلامية، التي تأسست في السبعينيات، عبد الإله بنكيران هو رئيس الحكومة.
هل هو اختيار أم أن المفاوضات التي تتحرك بين الفينة والأخرى لا تزال لم تعط أكلها؟
عبد الكريم مطيع الذي ظل ينتقد نظام الحكم، هو نفسه الذي يقول عنه رفاقه في الشبيبة إن أهم ما يميزه، هو المكر والدهاء والخداع والكذب والحقد، وحب الرئاسة والميكيافيلية التي لا حدود لها.
وهو نفسه الذي اعترف المتهمون باغتيال الزعيم الاتحادي عمر بنجلون بأنه هو من دعاهم إلى ذلك حينما كتبوا في بيان لهم من السجن المركزي بالقنيظرة في 1988 «كان عبد العزيز النعماني يحث الأفراد الذين اختارهم لتنفيذ العملية قائلا : يقول لكم الحاج مطيع يجب عليكم أن تقتلوا عمر بنجلون وإياكم ألا تقتلوه لأنه إذا نجا من الموت ستكتشف الجهة التي حاولت اغتياله وتلك مصيبة».
لقد حضرت صورة عبد الكريم مطيع بقوة حينما أعطت صناديق الاقتراع لحزب العدالة والتنمية الإسلامي المرتبة الأولى في استحقاقات ما بعد دستور 2011، حيث لم يتردد عبد الإله بنكيران، الذي كلفه الملك بتكوين حكومة عملا بالمنهجية الديمقراطية، التي أضحت فصلا دستوريا، في مد يده لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للمشاركة فيها، لدرجة قال إنه سيشعر بالدفء السياسي إذا قبل إخوة المهدي وعمر دعوة الـ«بيجيدي».
غير أن الاتحاديين رفضوا عرض بنكيران لأكثر من سبب، على الرغم من أنهم سبق أن شاركوا في حكومة إدريس جطو التكنوقراطي، وحكومة عباس الفاسي الاستقلالي بعد أن أنهوا في 2002 تجربة حكومة التناوب، التي كان يقودها زعيمهم عبد الرحمان اليوسفي.
رفض الاتحاد الاشتراكي عرض بنكيران، بالإضافة إلى المبررات الموضوعية التي كان من الصعب معها أن يضع حزب حداثي يده في يد حزب تقليدي ذي مرجعية إسلامية لا يخفيها، لكون العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة، هو جناح من أجنحة منظمة الشبيبة الإسلامية التي اتهم بعض أعضائها باغتيال رمز اتحادي اسمه عمر بنجلون بتوجيه من زعيمها مطيع. لذلك كانت روح الشهيد عمر حاضرة في ردهات المقر المركزي للحزب أثناء انعقاد المجلس الوطني الاتحادي الذي كان يتداول موضوع المشاركة في حكومة عبد الإله بنكيران.
وقال اتحاديون غاضبون من ذلك الصعود المدوي لحزب العدالة والتنمية، إن الاتحاد الاشتراكي يجب أن يرفض مشاركته الحكم على الأقل احتراما لروح الشهيد، الذي اغتيل على يد عناصر من الشبيبة الإسلامية، حيث طعن بالسكين، وهشم رأسه بقضبان الحديد حتى الموت، التنظيم الإسلامي الذي انتمى إليه رئيس الحكومة الحالي، قبل أن يختار طريقا آخر حينما تأسس حزب العدالة والتنمية.
يقول دارسو أدبيات الشبيبة الإسلامية إنها ولدت لكي تدافع عن الفكرة الإسلامية أساسا، وضد كل توجه يساري. لذلك فحينما تقررت تصفية الزعيم الاتحادي عمر بنجلون في 18 من دجنبر من سنة 1975، كان الهدف هو توجيه رسالة لكل اليسار المغربي الذي اعتبر وقتها الخصم الأوحد لهذه المنظمة، التي سيكون لعبد الكريم مطيع سبق التنظير لها.
وليس من باب الصدفة أن يتولى أعضاء خلية من الخلايا العمالية للشبيبة الإسلامية، التي أسسها عبد الكريم مطيع أوائل السبعينيات، المهمة. فقد كانت هذه الخلية واحدة من الخلايا التأديبية التي كانت الشبيبة الإسلامية تعتمد في الاعتداء الجسدي على خصومها، على نمط تنظيم الإخوان المسلمين المصري الذي استنسخه مطيع.
ولم يكن مطيع يخفي أن صراع الشبيبة الاسلامية هو مع اليسار تحديدا. فقد كان النفس الذي تغذت به الشبيبة الإسلامية، هو الدفاع عن الفكرة الإسلامية ضد اليسار الذي كان شرسا في مواجهته للإسلام. وقتها روج خصوم الاتحاد الاشتراكي أنه ضد الدين الإسلامي، خصوصا أن الانتماء إلى اليسار، كان تهمة تبرر القتل، بعد أن توصم بوصمة مواجهة الدين. ولكي يستحق اليسار، بدون استثناء، هذه الصفة وذلك الجزاء، سيقرنه الإسلاميون بتهمة اليهودية. فهو نتاج يهودي، كما يقول بعض المتشددين من تنظيم الشبيبة. وهنا يتم القفز من الاتحاد الاشتراكي، إلى حركة 23 مارس، إلى حركة إلى الأمام. ويصبح «الكفر ملة واحدة»، كما كتب الأمين بوخبزة وهو وقتها عضو كامل العضوية في الشبيبة الإسلامية «لم نكن نشغل أنفسنا بموضوع الاغتيال، بل بالعكس، في فترة من فترات الشبيبة الإسلامية، كانت هناك محاولة لإقناع المنتسبين بأن الخطر الداهم ضد الحركة الإسلامية، وضد العمل الإسلامي، وضد تنظيم الشبيبة الإسلامية، هو التنظيم الشيوعي الماركسي اللينيني. وخاصة منظمة إلى الأمام، ومنظمة 23 مارس. فهؤلاء كنا نعتبرهم مؤطرين من طرف اليهود كإبراهيم السرفاتي، وليفي أشكول، وأبراهام ليفي. وكانت عملية إقصائهم من الساحة، والعمل على استئصالهم، شيئا مستساغا بالنسبة إلينا، هكذا كنا نشحن»، يعترف الأمين بوخبزة.
ويعترف محمد الفقيه النايت، وهو من الستة الذين حلوا محل عبد الكريم مطيع في تدبير شؤون الجماعة بعد هروبه، أن شغل مطيع الشاغل كان هو اليسار. وكأن الشبيبة الإسلامية لم تؤسس إلا لمحاربة اليسار.
لقد تحفظ الكثير من الإسلاميين على دخول منظمة الشبيبة الاسلامية، كما حدث مع عبد الله بها، الوزير في حكومة بنكيران، الذي لقي حتفه في حادثة قطار بوزنيقة، والذي تحفظ في الانتماء إلى جمعية مطيع «نظرا لما كان يروج عن صلة الشبيبة الإسلامية بمقتل عمر بن جلون». غير أن محاوره الذي سعى إلى استقطابه، أقنعه بأن الأمر يتعلق بمؤامرة حاكتها المخابرات للتخلص من الحركة.
حينما وصل خبر اغتيال عمر بنجلون بواسطة خلايا إسلامية، أحرجت بقية الجماعات الإسلامية أمام الرأي العام، الذي كان اليسار في ذلك الوقت هو ضميره العام الشعبي. فاليسار هو الذي كان يدافع عن الشعب، وكان يمثل القيم النبيلة، ويدافع عن الحقوق، ولذلك كان اغتيال عمر بن جلون ضربة قوية للحركة الإسلامية، كما سيعترف بذلك الكثير من رموز الحركة.
غير أن الشبيبة الإسلامية بكل أطيافها، ستقتنع بما حدث وما تعرض له عمر بنجلون، رمز اليسار في المغرب، وذلك من خلال دعم المتهمين بالقتل والوقوف بجانبهم أثناء محاكمتهم، ثم الهجوم على الاتحاد الاشتراكي بشراسة لا حدود لها.
لقد كانت المحاكمات تجري في منطقة الحبوس بالدار البيضاء، حيث كانت ترافقها تجمعات وتظاهرات كبيرة من قبل الإسلاميين.
وفي 1980، سيقع التحول حينما نظمت تظاهرة أكبر لم يكن قائدها غير عبد الإله بنكيران، حيث نظمت بعد صدور الحكم على عبد الكريم مطيع بالمؤبد. وقد ضمت ما بين ألفين وأربعة آلاف، حسب تقديرات المشاركين، حيث توافد أعضاء الجمعية للمشاركة فيها من الرباط وفاس وغيرهما. وانطلقت من المسجد المحمدي مارة بجانب القصر الملكي وصولا إلى بنجدية، حيث يوجد بيت عبد الكريم مطيع. وكان عبد الإله بنكيران وقتها في غاية الحماس كعادته، إذ بح صوته قبل أن يفرغ من كلمته، بشهادة رفاقه في الشبيبة الإسلامية. المثير هو أنه لم يعتقل أي من رموز الحركة وقتها.
الوجه الثاني كان هو الهجوم على الاتحاد الاشتراكي. وقد بلغ أوجه سنة 1977 بمناسبة الحملة الانتخابية التشريعية، حيث تعبأت الشبيبة الإسلامية ومن يدور في فلكها من الشيوخ الخطباء للحملة ضد الاتحاد الاشتراكي. وقد أعطيت التعليمات للخروج في الحملة الانتخابية ضد هذا الحزب. وكان التوجيه يقول: إن الاتحاد الاشتراكي فيه قوم يفطرون في رمضان، ويسبون الله ورسوله، ولذلك فقد وجب الوقوف ضده». وقد استعملت المساجد في هذه الحملة على مرأى ومسمع من السلطات.
مطيع الذي وصف بالخصم اللذوذ لليسار المغربي، قبل أن يكون خصما للنظام، هو الذي يعتبره أتباعه ومريدوه الشيخ الذي سعى إلى تحصين الوحدة العقائدية والمذهبية للمغاربة. لقد أسس عبد الكريم مطيع ومن معه «الشبيبة الإسلامية « من أجل إحياء ديني متجدد، وتربية إسلامية سليمة، وانبعاث للقيم المغربية الأصيلة. كان يعلم، كما يقول رفاقه في الشبيبة، وهو رجل التعليم المتخصص في التربية والبيداغوجيا وعلم النفس، «أن التنظيمات السرية الفتية والمغلقة، ما أسرع ما تسقط في مهاوي الاستلاب والانغلاق الفكري، وإذا ما قدر أن تمكن الإعجاب بالنموذج الثوري الإيراني، من تلابيب التنظيم، فإن عواقبه قد تكون وخيمة في تفكيك الوحدة المذهبية والتناسق العقائدي للمجتمع المغربي إذ قد يتحول هذا التنظيم إذا ما تشبع بالمذهبية الشيعية للثورة الإيرانية إلى خميرة فكرية وعقائدية تنساب حمولتها في شرايين البلاد، فتمزق أوصال اللحمة المذهبية السنية الواحدة».
لقد أسس عبد الكريم مطيع ومن معه «الشبيبة الإسلامية «من أجل إحياء ديني متجدد، وتربية إسلامية سليمة، وابتعاث للقيم المغربية الأصيلة».
هكذا نجح عبد الكريم مطيع في معركته ضد اليسار وهو يؤسس شبيبته التي ظل يعتبرها النواة الصلبة لكل التنظيمات الإسلامية الأخرى. غير أنها شبيبة راهنت على حماية المذهب الديني للمغاربة من الاختراق.

» مصدر المقال: almassae

Autres articles

newsletter

Articles Populaires

Désolé. Pas assez de données pour afficher des publications.