Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

تقطيـر مـاء الزهـر… تقاليـد متأصلـة

16.05.2018 - 15:02

العملية تنفذ بغرفة ممنوع دخولها على غير الطاهرات ويستعمل للحلويات وأغراض طبية ومعطرا
تحافظ نساء فاس وناحيتها، على ما توارثنه من عادات مرتبطة بتقطير الزهر والورد، كلما حل فصل الربيع، وفق طقوس موغلة في القدم، تحترمنها رغم ما ابتليت به أسرهن من مظاهر التمدن وما اكتسحها من عادات دخيلة، لم تمح اهتماما متواصلا بها حتى في تظاهرات تراثية. رغم تقلص اهتمام شريحة واسعة من الفاسيات بهذه التقاليد العريقة، فإن بيوتا أخرى حريصة على الحفاظ عليها في ظل تجدد الدعوات لذلك والحيلولة دون اختفاء تراث فاسي مصدر شهرة مدينة، خاصة أمام حاجتهن الملحة لما ينتجه بجودة عالية ويفيدهن في حياتهن اليومية في التزيين أو إعداد الحلويات.

جهات مختلفة تحاول مليا تحصين هذا التراث، سيما وزارة الثقافة ومديريتها المنظمتين مهرجان “ربيع فاس” المستحضر طرق التقطير بشكل احتفالي على غرار ملتقى تازة، وجمعيات حريصة على كشف أسرار الطريقة التقليدية للتقطير، لجمهور يغريه النبش في ماضي المدينة وعاداتها وتقاليدها الأصيلة.

“عندو الزهر”
وتتمتع النبتة بقدسية جعلتها مصدر إلهام لفنانين تغنوا بها وطقوسها فأبدعوا كما إبداع نساء في تقطيرها وما حفظنه من مواويل تروح عن أنفسهن فيما يشبه تماه بين جمالية اللحن والورد.
“شلا يذكر. بعد الحرجات والورد والزهر. في المرشات ومطارب العطر. والند فالجمر. وقماري لاح مسوك عطر”. كلمات من قصيدة “السلوانية” أبدعها بلقاسم البوراشدي شاعر الملحون، مختصرا قيمة الزهر والورد في حياة الفاسيين يحافظون بكل الوسائل على كل ما يرتبط بتقطيرهما من طقوس.
مساعي تحصين التراث الفاسي والمتوارث منه والاهتمام بالعادات التراثية المعروفة عند أهل فاس، تواصلت بتنظيم مهرجان وإطلاق جمعية “بوابة فاس” مبادرة محافظة على أسرار عملية تقطير منتوج الزهر والورود والزعتر، بالطريقة التقليدية في إطار العناية بالعادات التراثية المهددة بالانقراض.
في 5 ماي الماضي وقف حضور قصر ضيافة بحي الرصيف بمدخل المدينة العتيقة الشاهدة على 12 قرنا من التاريخ، على خبايا هذه العملية من بدايتها إلى نهايتها، وما يرتبط بها من مواويل وأشعار وأجواء احتفالية خاصة، مع عرض فوائد المنتوج عند الأسر الفاسية، واستعمالاته المختلفة.
لكن هذا الاهتمام يبقى ضعيفا في انتظار مبادرات أكثر أهمية تلتفت بالجدية اللازمة إلى عادة متوارثة مهددة بالزوال، خاصة في غياب تحمس الأجيال الجديدة للحفاظ عليها، فيما تقترح بعض الأطراف إحياء مهرجان ثقافي سنوي كل ربيع لا يقتصر على الاحتفال الفولكلوري، بل يتدارس سبل إنعاش قطاع.

من قلب التاريخ
لا يقتصر تقطير الزهر على مدينة فاس وأهلها، بل هو تقليد راسخ بمدن أخرى، خاصة مكناس ومراكش وسلا وتازة المنظمة منذ 3 سنوات ملتقى يحتاج دعما لاستمراريته، على غرار كل مبادرات تقطير الورد ومنتوجات أخرى تأسست تعاونيات مختصة فيها، سيما بمناطق متفرقة من إقليم تاونات.
ويزداد الاهتمام بإنتاج ماء الزهر بازدياد الطلب على غرس أشجار “الرونج” الشبيهة بأشجار البرتقال لونا ومذاقا، الذي تضاءل بشكل خطير أمام الزحف الإسمنتي على كل المساحات والحدائق اليانعة التي اشتهرت فاس بها منذ غابر العصور، وتحولت لمبان وعمارات وأدت الخضرة فيها عن سبق إصرار.
ويرى مهتمون أن استمرار هذه العادة رهين بإحياء تلك الأشجار التي طالما أولاها سكان المدينة اهتماما خاصا، تلخصه إشارات عابرة أو مفصلة لمن تناولوا تاريخها وعاداتها بالدرس في كتب على غرار “العز والصولة” الذي خصص فصلا للحديث عن عملية تقطير كل ما يوتى به من الرياض والجنانات الفسيحة.
حينئذ كانت المسؤولة عن خدم القصر/ العريفة، مشرفة على عملية تقطير “عبيد الدار” للزهر، في محل خاص معد للتقطير، إذ يقطرنه ويجعلنه في قوارير، مغطاة ومحكمة الإغلاق، ملفوف فمها بقطن ومغشى بجلد ومشدود شدا محكما” على أن يوضع في صناديق خشب ويخزن في خزين خاص.
وأسهب عبد الرحمان بن زيدان مؤرخ المملكة المغربية في كتاب “العز والصولة في معالم نظم الدولة”، في الحديث عن كيفية التقطير في تلك الحقبة، ما زالت الفاسيات محافظات عليها, سيما ما يتعلق بمنع دخول أي شخص غير طاهر الجسد، لمكانه، كما المكلفة بالتقطير المفروض فيها النقاء والطهارة.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles