Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

فـاس تلـتـهب

04.08.2018 - 15:02

الجماعة أغلقت المسبح وأوقفت تشغيل النافورات والسكان في رحلة هروب يومي إلى الضواحي
لم يتحقق حلم الفاسيين بمنتجعات ومسابح تخفف عنهم معاناة يومية زادت صيفا بارتفاع درجة الحرارة والتهابها بشكل لا يطيقها الكل دون أن تكون لهم حيل لمقاومتها، مكتفين بالهروب بعيدا في اتجاه وديان بمياه ملوثة أو بغير جودة أو سدود تتحول إلى مقابر مفتوحة لم تنفع حملات وزيرة الماء، بمنع السباحة فيها، في إقبارها وإنقاذ شباب لا بديل له عنها.
وتعقبت “الصباح” أهل فاس في بحثهم عن فضاءات بديلة لحرمانهم. واكتشفت مرارة معاناتهم اليومية، وما يكبدهم ذلك من تكاليف ليست فقط مالية، بل من صحتهم المهددة بالسباحة بوديان ملوثة
أو سدود قاتلة، وتنقل قراءها في رحلة شاقة في أمكنة متباعدة بإقليمي تاونات ومولاي يعقوب، قريبة من فاس وبعيدة عن حلم الفاسيين بترويح آمن عن النفس.
إعداد: حميد الأبيض (فاس) – تصوير: (أحمد العلوي لمراني)

في وديان سبو وسلاس وليهودي وإيناون وبسدود مختلفة، يجد شباب مدينة فاس الفارون من صهدها، أماكن ولو كانت غير آمنة للاستجمام والترويح عن النفس، مغامرين بحياتهم وسلامتهم إلى أن تصبح قلوب المسؤولين، رحيمة بهم في صيف التهبت فيه درجة الحرارة قبيل حلول غشت الجاري، في انتظار توفير متطلبات سياحة تعفيهم من كل المخاطر.

حرارة لافحة
الثانية زوالا، الحركة ضعيفة وشبه مشلولة بأهم شوارع فاس ومقاطعاتها. قليلون بدوا مهرولين في اتجاه إدارات أو محطات حافلات تقلهم إلى منازلهم الأرحم بهم في يوم حرارته لا تطيقها أجسادهم. حركاتهم وحجم سرعتهم، جعلتهم يبدون في صور أشبه بالفارين من أسود قد تفتك بهم، ولو أن ما بفاس أسود إلا اثنين برونزيين مشلولي الحركة بشارع الحسن الثاني.
صهد المدينة وحرارتها الملتهبة لا تطاقان ممن “حكمت عليهم الظروف” المكوث بها، لفقرهم المدقع أو تأجيل عطلتهم لدوافع ذاتية أو موضوعية. قدرهم تحمل جو خانق لأنفاسهم في صيف أرحم من سابقيه، بمدينة لا توجد بها متنفسات تخفف عنهم، اللهم من مسابح فنادق ومنتجعات، بأثمنة أكثر التهابا من حرارة قد تطاق، عكس أسعار لا تتحملها جيوب البسطاء المثقوبة.
حتى مسبح الحسن الثاني قرب القاعة المغطاة 11 يناير، أغلق كما سابقيه الذين لم يعد لهما بالمدينة أثر. الجماعة وحدها العالمة بأسباب ذلك، بعد اضطلاعها بأمر تدبيره بعد سنوات طويلة كان فيها في حضن فريقي السلام والمغرب الفاسي، وكأن مسؤوليها ينفذون حكم إعدام حلم مشروع لشباب مهمش، في استجمام وترويح عن النفس، في متناول جيوبهم.
حتى النافورات بكل الشوارع أضحت بدون ماء نهارا، خوفا من زحف أطفال حولوها لمسابح مفتوحة في غياب البديل. ويبدو أن الجماعة جادة في حرمانهم منها إلى السادسة مساء، خاصة بعد تداول فيديوهات وصور بذلك، أضحت مادة إعلامية دسمة، ربما أقلقت مسؤولي فاس الذين اكتفوا بعدم تشغيلها، بدل بناء مسابح عمومية تمتص الإقبال عليها.

الهروب بعيدا
في غياب المسابح والمتنفسات في أيام فاس الملتهبة حرارة، يفر أبناؤها بعيدا حسب إمكانياتهم وظروفهم المادية والاجتماعية. الميسورون منهم يطيرون إلى حيث الأجواء أكثر إمتاعا بمنتجعات عالمية، والأقل ثروة منهم، يقصدون المدن الساحلية بكل الجهات، أو المدن الجبلية الأبرد صيفا خاصة بإفران وإيموزار كندر والأطلس المتوسط الأقرب مسافة.
أما من لا حول ولا قوة لهم، فمفرهم إلى السدود القريبة، رغم مخاطر السباحة فيها وفي الوديان حتى الملوثة منها، أو الحامات القريبة بمولاي يعقوب وسيدي حرازم وعين الله، أو إلى مناطق أبرد سيما بصفرو حيث شلال وادي أكاي، أو إيموزار حيث عين السلطان وسطها ومختلف الضايات التي تضرب حزاما سياحيا مهما يغري بسطاء الناس بزيارته.
حتى الوديان المحيطة بفاس غير متاحة السباحة فيها للراغبين في ذلك، أمام ما يتطلبه الأمر من إمكانيات مادية ووسائل نقل منعدمة إلا في بعض الاتجاهات مثل غابة ووادي عين الشقف الذي يختنق بزواره رغم تلوث مياهه، بنسبة أقل، عن نهر سبو ملجأ البعض للسباحة، سيما بمواقع على الطريقين الوطنيتين انطلاقا من فاس في اتجاهي تاونات وتازة.
ويبقى التوغل بعيدا حيث الأجواء ألطف وأكثر نقاء بعين الوالي ووادي ليهودي، البعيدين ب15 كيلومترا عن سيدي حرازم في اتجاه الطريق السيار، شبه مستحيل، إلا لعائلات تتوفر على عربات خاصة تسهل سفرها بعيدا عن ضجيج المدينة وواقع فقرها البين وحاجتها الملحة إلى مسابح عمومية بعدد كاف لسكان المقاطعات الست، وبأثمنة مراعية لظروفهم.

استجمام ملوث
بحثت “الصباح” عن وجهات أبناء فاس المنقبين عن أماكن الاستجمام الأنسب لظروفهم في رحلة طالت ساعات غاصت فيها بمواقع بمسافات مختلفة بتراب مولاي يعقوب وتاونات، من عين قنصرة إلى سد إدريس الأول وواد إيناون، ومن واد سلاس إلى عين الوالي، وما بينها من أماكن امتزجت فيها الرغبة في الاستجمام بخطره الكامن في الراكد من الماء وملوثه.
على يسار القنطرة المقابلة للقصر السعودي في الطريق إلى تاونات، جلس شباب عراة بجانب دراجة ثلاثية العجلات بين الأشجار اليانعة الوارفة الظلال على ضفاف نهر سبو بموقع أقل تلوثا. ثلاثة أطفال صغار تدافعوا للغطس وسط مياهه، متفننين في القفز من علو مختلف، والبقاء أطول مدة تحت الماء دون اعتبار لتلوثه وخطره على صحتهم وسلامتهم الجسدية.
الصور ذاتها تتكرر على ضفاف هذا الوادي لمسافات طويلة على يسار الطريق بين مدينتي فاس وتازة في اتجاه سيدي حرازم، إذ يختلف إقبال الشباب تدريجيا على الوادي للسباحة رغم تلوث مياهه الذي يزداد حدة كلما توغل الزائر على طول مساره هبوطا في اتجاه تراب عين قنصرة بمولاي يعقوب، حيث تزكم الروائح أنوف حتى الوافدين من بعيد.
لكن “فيه ريحة العطارة، ما بقاوش يعومو فيه. اللي عام فيه يهزوه للقبر من يومه” يقول شاب من دوار عزيب الشريفة المجاور للنهر الذي يستقبل كل ملفوظات فاس ونفاياتها السائلة، ردا على سؤال غرباء أثاره فضولهم، مؤكدا استحالة ذلك أمام تخثر وارتفاع نسبة تلوث المياه ورائحتها الكريهة جدا، عكس الموقع القريب من القصر السعودي الأقل تلوثا.

ممنوع السباحة
يبدو أن حملة منع السباحة بحقينات السدود، التي أطلقتها وزيرة الماء في زيارتها لسد إدريس الأول البعيد بأقل من 20 كيلومترا عن فاس، لن تجدي في شيء أمام استمرار الوضع على ما هو عليه وتوالي الإقبال على هذه الحقينة وغيرها، رغم تأثيثه ونهر سبو، بعلامات بعبارات مانعة للسباحة فيهما، في مشهد مؤلم يلخص حقيقة أن “كل ممنوع مرغوب فيه”.
قرب باحة الاستراحة حيث باعة الحليب و”السيكوك” وورش أكبر مشروع لربط فاس ومكناس بالماء الشروب، اتجه الزوار إلى الحقينة المرتفع منسوب مياهها. بدت نساء وأطفال وشباب، يسبحون قريبا من اليابسة دون خوف من الغرق بموقع حطم كل الأرقام القياسية الخاصة بعدد الغرقى من الجنسين، وصل إلى 5 غرقى في يومين في سنة مضت.
شباب في الجهة المقابلة لهم، نصبوا خيمة على مشارف الماء، وبدوا أكثر احترازا واحتياطا، كما مجموعات أخرى احتمتوأطفالها الصغار بالخيام بموقعين على الطريق الرئيسية، مسلحين بكل الوسائل البلاستيكية المانعة للغرق، عكس شابين تفننا في العوم والغطس قريبا من قنطرة وادي إيناون حديثة التشييد قبالة مدرسة ابتدائية بالاسم نفسه.
“خايف لنغرق”. هكذا لم يخف شاب فاسي زحف للموقع عبر دراجته النارية فارا من صهد مدينته الغارقة في مشاكلها والمجهضة لحلمه المشروع بفضاءات أكثر أمنا، خوفه مؤكدا أن أقرانه عادة ما يزورون الموقع لقضاء أوقات جميلة بجانب الوادي دون سباحة خوفا، فيما يغامر آخرون بحياتهم في غياب الحراسة اللازمة المفروض ضربها من طرف الجهة المختصة.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles