Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

تأهيل المقاولة ومدونة الشغل

05.09.2018 - 18:02

إن الحديث عن التدبير المقاولاتي ببلادنا أضحى أكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة لتسريع وتيرة النمو وترسيخ قواعد الحكامة وتقوية العلاقات المهنية، من هذا المنطلق فإن القوانين والتشريعات المؤطرة ذات الصلة يجب أن تواكب هذا التطور وتسعى إلى إصدار مقتضيات قانونية تستجيب لطموحات وانتظارات المعنيين وتساهم في إرساء أسس العمل اللائق داخل المقاولة المغربية ، التي تتوق إلى علاقات مهنية مستقرة ومنتجة ترفع منسوب النجاعة والفعالية في التدبير اليومي لشؤونها.

المفاوضة الجماعية أسست لثقافة جديدة داخل المقاولة المغربية تقوم على الثقة وخلق مناخ اجتماعي سليم

إن تأهيل المقاولة المغربية يستوجب أساسا النهوض بمستوى التكوين للأجراء العاملين بها، والرفع من قدراتهم التقنية والمهنية بكيفية تتماشى والتحولات الجارية على النسيج الاقتصادي، الذي يشهد تغييرات متسارعة على كافة المستويات ويتطلع إلى الرفع من مستوى آليات اشتغاله لربح الوقت والتكيف مع متطلبات العصر، الذي أصبح لا يؤمن إلا بالعنصر البشري المؤهل والقادر على العطاء المتجدد.
وتأسيسا على ما سبق، فإن التساؤل المطروح هو إلى أي مدى حاولت مدونة الشغل الجديدة التجاوب مع هذا التوجه وإعداد المقتضيات اللازمة لمسايرة التحديث داخل المقاولة المغربية، وما هي الآليات المعتمدة لإعمال تدبير ناجع للموارد البشرية بها.

إن الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها، يجد صداه في الواقع العملي الذي تعيشه المقاولة المغربية من خلال التراكمات المسجلة منذ صدور مدونة الشغل، ودخولها حيز التنفيذ بتاريخ 8 يونيو 2004. من المعلوم، فإن النسيج الاقتصادي والاجتماعي المغربي قد شهد في السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على جميع المستويات، وذلك بفضل السياسات العمومية المستمدة من التوجيهات الملكية السامية التي هيأت أرضية ملائمة للاستثمار، وشجعت الرأسمال الوطني منه والأجنبي على القيام بمشاريع استثمارية همت قطاعات صناعية مختلفة.

وعلاقة بذلك، فإن دراسة معمقة لمقتضيات المدونة، تظهر بجلاء أن هناك خيطا رفيعا بين ما أشرنا إليه سلفا من تدبير حديث للمقاولة والأحكام الواردة في بعض فصول مدونة الشغل، ولعل أبرز دليل على ذلك هو التنصيص على وضع نظام داخلي بالنسبة لجميع المقاولات والمؤسسات التي تشغل ما لا يقل عن عشرة أجراء بعد مرور سنتين من إحداثها، وقد كان المشرع المغربي حكيما وهو يقر بهذا المقتضى داخل أجل محدد، وحسب رأيي المتواضع، فإن مرور سنتين هي مدة كافية لقياس مدى قدرة المشغل على وضع مؤسسته في السكة الصحيحة من جهة، وانسجاما مع مبدأ المرونة الذي اعتمدته المدونة بالنسبة للمقاولات الحديثة النشأة، إضافة إلى الشروط الواجب توفرها لإجراء انتخابات مندوبي الأجراء، أما عن مضمون هذا النظام الداخلي فهو بمثابة خارطة طريق للمنهجية التي تعتزم المؤسسة اتباعها من أجل تدبير محكم وتسيير رصين لمواردها البشرية من شأنه أن يضمن حدا أدنى من الاستقرار والمردودية داخل فضاء يسعى الجميع لتطويره وتحسين تنافسيته بما يخدم مصالح جميع أطراف العلاقة الشغيلة.

وبالرجوع إلى الممارسة الميدانية، فإنه يبدو بوضوح أن المشغلين الذين أخذوا المبادرة وقاموا بوضع نظام داخلي وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 138 من المدونة (دون انتظار إلزامهم بذلك من قبل مفتشي الشغل)، والمتمثلة بالأساس في اطلاع مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين للمقاولة عند وجودهم على مضمونه وموافقة السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، قد وفروا على أنفسهم عناء الدخول في شنآن مع عمالهم، على الأقل خلال السنوات الأولى من حياة المقاولة، والتي تعتبر فترة مفصلية لضمان إنتاجية أكثر، وسلم اجتماعي مستدام بحكم معرفة الجميع لما له وما عليه، بناء على التدابير الواردة في النظام الداخلي المتضمن لمقتضيات قانونية عامة، وأخرى خاصة تبعا لطبيعة ونشاط المقاولة.

ولما كان هذا النظام الداخلي من صنع المشغل مع إمكانية دراسته مع ممثلي الأجراء من خلال اطلاعهم عليه، فإن المشرع المغربي قد زاد من ترميم هذا التناغم بين أطراف العلاقة الشغيلة عبر إقرار ولأول مرة في التشريع الاجتماعي المغربي مبدأ المفاوضة الجماعية، وسيلة ومنهجية رائدة لحل النزاعات واعتماد الحوار والتفاوض قاعدة، بدل سياسة المواجهة والتصادم.

إن المفاوضة الجماعية من خلال المادة 92 من مدونة الشغل قد أسست لثقافة جديدة داخل المقاولة المغربية ، تقوم على ركائز واضحة قوامها بناء الثقة وخلق مناخ اجتماعي سليم عبر مستويات تدريجية من التفاوض تفضي إلى اتفاقيات شغل جماعية ملزمة ومتوافق بشأنها للرفع من مستوى التدبير وتحسين العلاقات المهنية، وما أحوجنا اليوم إلى هذه الصيغ من التحاور المؤدية إلى ميلاد قوانين تعاقدية محددة في الزمان والمكان، وهادفة إلى ترشيد الجهود وتحقيق حد أدنى من التجانس من شأنه خدمة المصالح المشتركة للعمال وأرباب العمل داخل إطار يحكمه القيام بالواجب مع التمتع بالحقوق.

لقد عرفت بلادنا في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في مجال تشجيع إبرام اتفاقيات شغل جماعية نتيجة مفاوضات جماعية، بفضل المواكبة المستمرة للمصالح المركزية وغير الممركزة لوزارة الشغل، التي تولي أهمية بالغة لنشر ثقافة التعاقد بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين لما لها من آثار ايجابية على مضاعفة الإنتاجية واستتباب السلم الاجتماعي، وهنا تبرز المفارقة الجوهرية بين إبرام اتفاقية شغل جماعية متفاوض بشأنها ونظام داخلي مصنوع بإرادة منفردة، وبالمقارنة مع العدد المسجل في بداية الاستقلال، فإن العشرية الأخيرة مند صدور مدونة الشغل الجديدة، شهدت ارتفاعا ملموسا في عدد هذه الاتفاقيات التي مست مختلف الوحدات الإنتاجية بأصنافها الاقتصادية المتنوعة، هذا الارتفاع لم يكن بالشكل الذي ينتظره عموم المهتمين والمتتبعين، ولكنه يبقى قابلا للتطور لما له من انعكاسات ايجابية على ترسيخ السلم الاجتماعي رغم بعض التحفظات التي تقف حاجزا أمام هذا التطور من طرف بعض الأطراف المعنية، والتي يمكن تجاوزها عبرالحوار والتفاوض.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles