Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

“الشيشان” تنبعث بالهراويين

18.09.2018 - 15:02

عسر برامج التأهيل والإدماج يعيد شبح الفوضى إلى أكبر بؤرة للتهميش والإقصاء بالبيضاء

يتداول منتخبون، بحر الأسبوع الجاري، في ملف الهراويين الشمالية، بعد تفاقم الوضع الاجتماعي والأمني والبيئي بمنطقة على شفا انفجار. وأضحى الموضوع هاجسا كبيرا لدى مسؤولي المنطقة، على ضوء التطورات الأخيرة بـ”دولة الشيشان”، وفشل كل المساعي مع السلطات المحلية وممثل وزارة الداخلية في نزع فتيل القنابل المبثوثة في كل مكان.

إعداد: يوسف الساكت

لم تمت “دولة الشيشان” بمنطقة الهراويين الشمالية بالبيضاء. فمازالت البشاعة حية ترزق بهذا المكان الذي ارتبط بأحداث اجتماعية كبرى بالعاصمة الاقتصادية وحرائق ملتهبة تطلبت تدخل الجيش لإخمادها في 1996، دون أن يحدث أي تغيير على أرض الواقع، بل ازداد الوضع سوءا، وبدأ عدد من المواطنين والمنتخبين يدقون ناقوس الخطر من انفجار قنبلة ثانية تأتي على الأخضر واليابس.

جرح مفتوح
لم تندمل جراح سكان الهراويين الذين أطلقوا على منطقتهم اسم “الشيشان”، تأثرا بأجواء الدمار والبؤس بجمهورية الشيشان بشمال شرق القوقاز التي كان تخوض حربا ضد القوات الروسية، فانتهت الحرب والمعارك وأصوات الرصاص هناك، ولم تنته بمنطقة توجد، اليوم، خارج التاريخ وخارج مخططات التنمية وخارج اهتمامات المسؤولين الذين يتعاملون معها بمنطق “كم حاجة قضيناها بتركها”.
وينتمي “الشيشان” إلى لائحة دواوير أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة الاقتصادية، وهو الأكثر شهرة وقدما من بينها. واستطاع سكانه، في ظرف زمني لم يتجاوز 20 سنة، فرض أنفسهم بقوة في خارطة الأحياء السكنية العشوائية، الأكثر استقطابا للفارين من جحيم البوادي المتضررة من سنوات الجفاف، إذ أطلق اسم “الشيشان” على جماعة الهراويين بعمالة مقاطعات سيدي عثمان لأول مرة في 1996، بعد الأحداث الدامية التي عرفها الحي بداية التسعينات بين السكان والسلطات المحلية.

للهراويين حكاية
بدأت حكاية سكان جماعة الهراويين مع الاسم الجديد “الشيشان” في صيف 1996، حين انتفض أبناء المنطقة (معظمهم مهاجرون قرويون) في وجه رجل سلطة (قائد) واجه مد البناء العشوائي في المنطقة بصرامة، ومنع أحد بارونات البناء غير اللائق من تشييد بيوت في بقعة أرضية أمام المدرسة الابتدائية الهراويين، لأن الأرض كانت في ملكية الدولة.
ونتج عن إصرار المتاجرين في البناء العشوائي على تحدي قرار السلطات من جهة، وعزم الأخيرة الضرب بيد من حديد على يد العابثين بالمستقبل الحضري والعمراني للمنطقة من جهة أخرى، صراع كاد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه.
ومازالت ذاكرة المدينة تحفظ كيف واجه السكان القوات العمومية، المدججة بالجرافات، بالحجارة والسيوف وقنينات البنزين الحارقة، ومنعوا السلطات (التي استعملت بدورها القنابل المسيلة للدموع والهراوات لصد المحتجين) من الدخول إلى حيهم، لتنفيذ قرار هدم البيوت والإسطبلات العشوائية.

إعادة الهيكلة
بين 1996 و2009، جرت مياه كثيرة من تحت جسور هذه المنطقة الملتهبة، ومن ذلك قرار إلحاق الهراويين الشمالية إداريا وترابيا بمقاطعة سيدي عثمان، رغم المشاكل التي رافقت هذا الخيار، لكن في الوقت نفسه كانت أوراش التفكير تشتغل لإيجاد صيغة لإعادة هيكلة هذا الحي وإدماجه تدريجيا في النسيج الحضري والعمراني للبيضاء.

في 2016، جاء الفرج بإطلاق مشروع إعادة هيكلة حي “الهراويين الشمالية” وتعزيزه بمرافق للقرب الرياضي والاجتماعي والإدماج الحضري، بكلفة مالية بلغت 23 مليار سنتيم.
وزار جلالة الملك عمالة مقاطعات مولاي رشيد السنة نفسها، حيث أشرف على إعطاء انطلاقة مشاريع تهم إعادة الهيكلة والإدماج الحضري لحيي “الهراويين الشمالية” و”سيدي أحمد بلحسن” بغلاف استثماري وصل إلى 321.4 مليون درهم لضمان تنمية سوسيو-اقتصادية مستدامة لـ 12 ألفا و200 أسرة بجهة البيضاء- سطات.

وكان مقررا أن ينجز المشروع، في الآجال المحددة له، في إطار شراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والمديرية العامة للجماعات المحلية التابعة لوزارة الداخلية، ووزارة السكنى وسياسة المدينة، وجهة البيضاء-سطات، ومجلس العمالة والجماعة الحضرية للبيضاء، قبل أن تعترضه عدد من الصعوبات مازالت مستمرة إلى اليوم.

ويهم المشروع تعميم الربط الطرقي للمنطقة المستهدفة، وتقوية وتحديث شبكات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل والإنارة العمومية، وغرس الأشجار ونباتات الزينة، فضلا عن إنجاز عدد من التجهيزات العمومية للقرب (مسجد، قاعة مغطاة، مركز اجتماعي، مركز نسوي، مركز للتكوين، مركز صحي، حضانة، ملاعب رياضية..).

وبسبب هذا التعثر، لا يخفي منتخبون بالمقاطعة امتعاضهم وتذمرهم من الوضع، مؤكدين أنهم يواجهون، يوميا، غضب السكان بهذه المنطقة التي توجد على صفيح ساخن، بسبب كثافتها وخصوصيتها السوسيولوجية، وتراكم سنوات من التهميش والاحتقار والاستغلال السياسي والانتخابي والإداري لها.

ووجه المستشارون أصابع الاتهام إلى المؤسسات الآمرة بالصرف التي تتأخر، إلى حد الآن، في تعبئة هذه المبالغ من الشركاء والقطاعات الوزارية الملتزمة بالمشروع، مشككين في وجود حسابات سياسية وراء هذا التأخير غير المبرر، إذ قد يتزامن انطلاق هذا المشروع مع الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، ما قد يستغله مترشحون في استمالة أصوات الناخبين عبر نسبة المرافق الجديدة إلى إنجازاتهم.

ولا يخفي المنتخبون أن مؤسسة العمران هي التي تكلفت بهذا المشروع الضخم الذي يضم عشرة مرافق للقرب الرياضي والاجتماعي والثقافي وملاعب معشوشبة وفتح طرق وإنارة عمومية واستكمال تجهيزات لرفع العزلة عن السكان وإدماجهم في النسيج الحضري للبيضاء.

ووجهت المقاطعة، في وقت سابق، رسائل إلى الجهات الرسمية الآمرة بالصرف للاستفسار عن مصير هذا المشروع الملكي وأسباب تعثر الأشغال به، كما عقدت اجتماعا مع ممثلي مؤسسة العمران الذين اعترفوا بوجود صعوبات في تعبئة المبالغ المالية من الشركاء والقطاعات الوزارية المعنية.

خارج التغطية
يعد الهراويين واحدا من 92 حيا بالحي الحسني ومولاي رشيد وابن امسيك وعين الشق والنواصر يقطنها ما يقرب من 100 ألف أسرة تعيش دون تجهيزات، أو تجهيزات ناقصة وعشوائية للربط بالماء الصالح للشرب والشبكة الكهربائية والإنارة العمومية والتطهير السائل والطرق المعبدة.
وتقع الأحياء ناقصة التجهيز على حوالي 231 هكتارا وانضمت إلى النسيج الحضري بالبيضاء بعد تعديلات مخطط التهيئة، علما أن الدولة أطلقت عمليات إعادة التأهيل الحضري لهذه المناطق الجديدة، بكلفة مالية تصل إلى مليارين و622 مليون درهم.

وحصر برنامج تغطية أولويات جهة الدار البيضاء الكبرى ومخطط تنمية 2015-2020 في مرحلة أولى 17 حيا موجودا بالهراويين الشمالية (عمالة مقاطعات مولاي رشيد)، وسيدي أحمد بلحسن (عمالة بن مسيك)، و14 حيا بالجماعات التابعة لإقليم النواصر، كما جرى إحصاء 72 حيا، في مرحلة ثانية، بكل من إقليم النواصر (40 حيا)، وعمالة مقاطعات الحي الحسني (18 حيا)، وعمالة المحمدية (6 أحياء)، وعمالة مقاطعات عين الشق (4 أحياء)، وإقليم مديونة (3 أحياء)، وعمالة مقاطعات مولاي رشيد (حي واحد).

ووضعت الدراسات تشخيصا لهذه الأحياء التي تقطنها حوالي 500 ألف نسمة (بمعدل 5 أفراد في كل عائلة)، وأظهرت النقص الحاد والكلي لقنوات التطهير السائل، إذ يعمد السكان إلى حفر “مطامير” كبيرة لدفن “حاجاتهم”، كما يفتقر بعضها إلى الربط بشبكات الماء الصالح للشرب، إذ يضطر السكان إلى استعمال ماء السقايات العمومية، أو اللجوء إلى خدمات “الجمعيات” لربط منازلهم بقنوات عشوائية يؤدون عنها مبالغ باهظة (50 درهما للطن).

تفريخ المشاكل

مازال مستشارون بمقاطعة سيدي عثمان يثيرون عددا من المشاكل بمنطقة الهراويين الناتجة عن غياب التجهيزات والمرافق العمومية ومرافق القرب الاجتماعي، أولها المشكل الأمني، إذ ترتفع نسب الجريمة بهذه الأحياء والتجاوزات القانونية مقارنة مع الأحياء المجهزة التي تتوفر على إنارة عمومية وطرق معبدة ومراكز أمنية للقرب، كما تنشط عدد من الخروقات سواء من قبل مؤسسات خاصة أو عمومية، مثل فرض أداء رسوم التطهير السائل في أحياء غير مجهزة به، أو البيع غير المهيكل للماء، وسرقة الكهرباء من الأعمدة ذات الضغط المتوسط والمرتفع.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles