Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

بني ملال … وداديات الثراء

20.02.2019 - 12:02

قضايا أمام المحاكم وضحايا وعشرات الملفات تعرض أصحابها للاحتيال

أثبتت الحفريات أن الإنسان القديم استوطن ببني ملال، وأوى أجداد الملاليين إلى الكهوف للاستقرار بها، ثم انطلقوا يتجولون بين المناطق الشاسعة، فانتشر نسلهم … أما الآن، فالعشرات من أحفادهم قابعون في قاعات المحكمة، أو يتجولون بين المقاهي القريبة منها، بحثا عن رؤساء وداديات سكنية، وعدوهم بمنازل تقيهم البرد القارس شتاء، والشمس الحارقة صيفا، قبل أن يستولوا على أموالهم، ويختفوا عن الأنظار.

إنجاز: خالد العطاوي وتصوير: أحمد جرفي (موفدا الصباح إلى بني ملال)

قديما، كانت تفوح رائحة زهور الليمون، حين تقترب من طريق “الفقيه بنصالح” أو مطار بني ملال الصغير، فتنعش الزوار، كما تجذبهم ظلال أشجار الزيتون الوارفة، أما الآن، فاختفت كل أنواع الأشجار، وأصبحت الأراضي قاحلة تستوطنها أوراش قنوات الصرف الصحي، وأكوام التراب وآلات الحفر، واللوحات الإشهارية لشركات عقارية.

في ضواحي المدينة، التي تؤكد عدة مصادر تاريخية أن الفرنسيين فكروا في جعلها عاصمة للمغرب، اختفت البساتين والضيعات، وحلت “لعنة” التجزئات السكنية، وقطع الملاليون علاقتهم بعشق الطبيعة، إذ بسط المنعشون العقاريون نفوذهم، واستغلت مافيا العقار الفضاءات الشاسعة لبسط أياديها على الحقول، ووقع العشرات ضحية نصب واحتيال.

فهل رفعت المدينة راية الاستسلام؟ وكيف استباحت مافيا العقار أموال “الملايين” الذين تعرضوا إلى عمليات نصب واحتيال؟ أم أن الملاليين استسلموا أمام جشع “أباطرة” التجزئات الوهمية، مستغلين ارتفاع عدد السكان والهجرة القروية؟

اطلعت “الصباح” على عشرات القضايا بمحاكم بني ملال التي كشفت أن مافيا العقار باتت تهيمن على المدينة، بل إن قصص الوداديات السكنية “الوهمية” أصبحت حديث شؤون السكان، أمام “صمت” المسؤولين عن سطوة رؤسائها رغم تشريدهم عشرات الأسر، فما السر وراء انتشار الملفات العقارية بالمدينة؟ ومن هم المسؤولون عنها؟ ولم عجز القضاء والسلطات المحلية عن وضع حد لها؟
أسئلة كثيرة وجدت “الصباح” نفسها تنقب وسط “تلال” من أوراق القضايا عن أجوبة لها، فاستمعت إلى الضحايا، منهم من أشرف على التقاعد ومازال يبحث عن منزله يؤويه، واستمعت إلى حقوقيين عاشروا محنة الضحايا، وخبراء وضعوا أيديهم على اختلالات الوداديات التي أصبحت فرصة للثراء، ولو على حساب شقاء المحتاجين للسكن.

ودادية تعمر 30 سنة

اعتاد عز الدين أوعدي، رجل تعليم متقاعد، ارتياد مقهى أمام محكمة الاستئناف ببني ملال، منذ سنوات، ليس عشقا لها، بل لأنها فرصته الوحيدة للعثور على رئيس ودادية ظل مختفيا عن الأنظار منذ حوالي 30 سنة.

أصبح أوعدي زبونا وفيا للمقهى، وتأقلم مع أجوائها، خاصة أنها نقطة لقاء المحامين والموثقين وبعض الموظفين، والمفوضين القضائيين…. بل إنه يستطيع أن يفتي في كل قضايا الوداديات السكنية لأنه خبر معاناة المنخرطين وجهلهم بالقانون الذي يستغله رؤساء المكاتب للنصب على الضحايا.

أوعدي، ضحية ودادية سكنية تُصنف، ضمن أقدم المشاريع العالقة ببني ملال، ويعتبر نفسه “قيدوم” الضحايا، إذ انخرط في “ودادية البشير” منذ 30 سنة، وأدى مبلغا ماليا فاق، آنذاك، ثمانية ملايين سنتيم، ثم تشرد بين المقاهي والأزقة حين اختفى رئيس الودادية عن الأنظار.

لم ييأس أوعدي، رغم التسويف والمماطلة والإجراءات الإدارية المعقدة، وحرص على الاستمرار في البحث عن الرئيس، والتنقيب عن الوثائق للوصول إلى باقي المنخرطين، فرئيس الودادية كان ذكيا، حتى أنه تجنب كشف عناوين المنخرطين، كي لا يتم اللقاء بينهم لإعادة انتخاب مكتب جديد، خاصة أن أغلبهم مهاجرون بإيطاليا وفرنسا.

ظل أوعدي يفتش عن المنخرطين، ويتجول بالمقاهي بجوار المحكمة، بحثا عن الضحايا، حتى نجح في العثور على عدد منهم صدفة، ثم بدأ إجراءات انتخاب مكتب جديد، لكن ذلك لم يكن إلا بداية لمشاكل لا تنتهي.

يحمل أوعدي ملفا يتضمن عشرات الوثائق تشير إلى شقة أصبحت سرابا، ويحفظ أسماء جميع وزراء العدل المتعاقبين، والولاة والعمال والباشوات، وتواريخ جلسات المحكمة وأسماء المنخرطين، والمحاضر، ويلخص معاناته في جملة واحدة:” لا أحد ينصف البسطاء”.

أول محضر أنجز حول ودادية “البشير” كان في 18 غشت 1999، والثاني في تاسع غشت 2000، ثم رفع ضحايا دعوى قضائية تتهم رئيس الودادية بالنصب والاحتيال، والشكاية الموجهة إلى محمد بوزوبع، وزير العدل الأسبق في 2012، الذي راسل رئيس المحكمة للبت في الموضوع، وإقرار بعض القضاة بحالة التقادم، علما أن الملف عرض على القضاء لأزيد من 18 سنة، ناهيك عن وعود وكلاء عامين والولاة.

قضت حكمة الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي بإتمام البيع، لأن الضحايا أدوا جميع التزاماتهم المالية، وتقرير الخبرة القضائية يشير إلى إنجاز 90 في المائة من تجهيزات الودادية، لكن دون تنفيذ الحكم القضائي، رغم أن بعضهم اكتشف أن بقعا أرضية أعيد بيعها أكثر من مرة.

يتحسر أوعدي عن ضياع حلمه، لكن صديقه الكبير آيت القاسم يكاد يصاب بالجنون لأن كل مدخراته المالية ذهبت مع أطماع الرئيس، ويواسيان بعضهما، حين يتذكران أن قصتهما، ليست الوحيدة بالمدينة، فهناك عشرات الوداديات التي تحولت إلى مقبرة لأموال المنخرطين.

اختلاسات بالملايير

في 2010 تأسست ودادية “الأشواق” وفتح حساب بنكي بوكالة بنكية ببني ملال على أساس أن يؤدي كل منخرط، من أصل 137، مبلغا ماليا قدره 150 ألف درهم، دفعة أولى على أن تليها دفعات أخرى.
كبرت أحلام المنخرطين، ثم فجأة بدأ الشك يتسرب إليهم بعد مرور 10 سنوات، إذ لاحظوا تعثرا في الأشغال، ثم انعقد جمع عام آخر انبثقت عنه لجنة للتتبع والمواكبة قصد مساعدة المكتب في أشغال التسيير الإداري والمالي، وأدى المنخرطون الملايير، ثم استأنفت الأشغال، قبل أن تتوقف والإعلان عن صرف جميع الأموال.

أطيح بالرئيس وبدأ أعضاء المكتب الجدد يقفون على هول صدمتهم، فهناك عمليات سحب مبالغ مالية مهمة على فترات، وتحويلات مالية لشركات ووداديات أخرى لا تربطها أي علاقة بالودادية الأصلية، ثم أحيل الملف على القضاء.

قضايا أمام المحاكم

قدرت مصادر “الصباح” عدد الوداديات السكنية التي تصنف ضمن الملفات العالقة بأزيد من 70 ودادية، بعضها وجد طريقه إلى القضاء، حيث أمر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية ببني ملال، أخيرا، بتحريك المتابعة القضائية ضد رئيس ودادية سكنية بعد تحقيق معمق في شكاية، تقدم بها أعضاء منخرطون، من أجل تهم تتعلق بالنصب وخيانة الأمانة وعدم تنفيذ عقد، بعد أن نفد صبر المشتكين مما أسموه تسويفات وتماطل الرئيس الذي كان يرفض، وفق الشكاية، عقد جمع عام لبيان الوضعية المالية، وقدموا دفعات مالية مقابل حصولهم على بقع أرضية مجهزة، لم تعرف نهاية الأشغال بعد رغم مرور سنوات عدة.

بالمقابل، أبدى القضاء حزما في ملفات أخرى أشهرها إدانة رئيس ودادية وأمين مال جمعيته، في ملف بالحبس أربعة أشهر موقوفة التنفيذ، وأداء غرامة مالية قدرها 2000 درهم، وإعادة 35 مليون سنتيم للمشتكين، مع الصائر والإجبار في الأداء، لاتهامهما بالنصب وخيانة الأمانة في حقهما، بناء على شكاية تقدم بها أربعة منخرطين في إحدى الوداديات، إثر فشل محاولات لرأب الصدع بين الجانبين وتذويب الخلافات بينهما.

كما أصدرت المحكمة ذاتها، في حق الرئيس نفسه وأمين ماليته، حكما ثانيا يقضي بإدانته بالحبس ستة أشهر موقوفة التنفيذ، وأداء غرامة مالية، وتعويض المشتكين بمبلغ 10 آلاف درهم، وفي ملف ثالث قضت بمؤاخذة رئيس الودادية السكنية وأمين ماليتها، من أجل خيانة الأمانة وأدانته، بثمانية أشهر موقوفة التنفيذ وأداء تعويض مالي للطرف المدني قدره 20 ألف درهم، وغرامة مالية قدرها ألفا درهم، مع وضع رئيس الودادية، تحت المراقبة القضائية، بعد أن تقدم بعض المنخرطين بشكاية، ضده لاتهامه بالنصب وخيانة الأمانة.

قضايا كثيرة أماطت اللثام عن ملفات العقار ببني ملال، وفي كل ملف يترقب الملاليون مفاجآت عديدة، خاصة أن المضاربين العقاريين وجدوا في الوداديات السكنية “بقرة حلوب” يجنون منها أرباحا مهمة، ويحققون، من ورائها، ثراء فاحشا، أدى إلى ظهور فئة من الأغنياء الباحثين عن الصفقات المشبوهة والتهرب من الضرائب، وتحول الاستثمارات في التجزئات السكنية باسم العمل الجمعوي والخيري، إلى علامة تجارية مربحة لدى بعض هؤلاء المضاربين الذين أصبحوا محط علامات استفهام كبرى، بعدما راكموا أموالا ضخمة بدعوى العمل الجمعوي وتيسير السكن الاقتصادي لذوي الدخل المحدود، في حين لم تكن نواياهم سوى الربح المالي السريع وسلك طرق ملتوية تغنيهم عن أداء ضرائب.

خطة الإيقاع بالضحايا

قال عبد الحفيظ أرحال، أستاذ بجامعة السلطان مولاي سليمان وناشط حقوقي، إن أغلب رؤوساء الوداديات ببني ملال يستغلون الرصيد المالي من دفعات المنخرطين في الودادية في وجهات استثمارية لا علاقة لها بالمشروع الذي من أجله تجمع هذه الأموال، إذ يلجؤون إلى استعمال أرصدة المنخرطين في مضاربات عقارية أخرى، دون علمهم، كما أنهم يستغلون أموال المنخرطين لإنشاء وداديات أخرى ويبحثون عن منخرطين “ضحايا” آخرين وهكذا دواليك، دون الانتهاء من الأشغال، ناهيك أن بعض الوداديات تحترف النصب والاحتيال بإشهار حسابات بنكية علنية وإخفاء أخرى سرية لا علم للمنخرطين بوجودها.

وأوضح أرحال أنه على ضوء واقع الفساد المستشري داخل الوداديات السكنية ببني ملال، وبعد تشخيص عميق ودقيق لوضعية عينة كبيرة منها، يتضح أن خروقات الفاعلين في هذه الوداديات تشير عموما إلى تحكم لوبيات الفساد العقاري تحت ستار الوداديات السكنية التي تسعى جاهدة إلى الغنى الفاحش، على حساب تجويع وإفقار البسطاء الذين يأملون الحصول على السكن، ما نتج عنه إحالة عشرات ملفات أمام القضاء بتهم النصب والاحتيال وخيانة الأمانة.

وطلب أرحال من السلطات المحلية التدخل العاجل لإنصاف ضحايا الوداديات السكنية، باعتبارها الجهة التي رخصت لها بهدف إنشاء السكن الاجتماعي التضامني اللائق وبأقل تكلفة ممكنة وبشروط تفضيلية، علما أنها لم تلتزم بقانونها الأساسي ونظامها الداخلي والأهداف التي أسست من أجلها، وذلك بإيجاد حلول منصفة للمنخرطين ضحايا جشع هذه اللوبيات وضمانا لحقوقهم، ما سينتج عنه المساهمة في تنمية عاصمة الجهة وإحداث فرص الشغل.

ولم يفت المتحدث نفسه المطالبة بحفظ حقوق الدولة في استخلاص الضرائب والمستحقات من الذين يتخذون الوداديات شركات للربح السريع، وتسببوا في الأزمة التي يعيشها قطاع السكن ببني ملال، ملتمسا من القضاء بضرورة محاسبة مغتني هذه الوداديات وافتحاص حساباتهم، ضمانا لحقوق المنخرطين مع تفعيل قانون من “أين لك هذا؟”.

اختلالات تسيير الوداديات

سجل محمد شيفاوي، مستشار مالي، الاختلالات التي تعتري تسيير وتدبير الوداديات ببني ملال. وقال شيفاوي، إن من أهم الاختلالات بالإقليم طول مدة الإنجاز وتسليم البقع والشقق إلى المنخرطين، إذ أن بعضها تجاوزت مدة بداية الأشغال به 30 سنة، ولم يتسلم المنخرطون بقعهم أو شققهم، إضافة إلى سوء تسيير وتدبير مالية المساهمين، و عدم ضبط العمليات البنكية، ما يترتب عنه عجز في ميزانية الوداديات، ثم الاختلاسات وسحب مبالغ مالية غير مبررة، وتحويلات وداديات إلى شركات لا تربطها أي علاقة بالودادية التي ينتمي إليها المنخرط، كما و قع في إحدى الوداديات التي تكلفت بإجراء خبرة حسابية لافتحاص ماليتها.

وأوضح شيفاوي أن رؤساء و أمناء للمال يستغلون مالية الوداديات في مشاريع لا علاقة للمنخرطين بها، كما قام بذلك رئيس و أمين إحدى الوداديات، إذ أسسا وداديتين منفصلتين من مالية الودادية الأم، وكشفت شكاية أمام القضاء ضد المكتب السابق بخصوص تلك الاختلاسات أنها تجاوزت المليار و 200 مليون سنتيم.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles