Revue de presse des principaux journaux Marocains

Social

سلفية المحافظين والحداثيين

29.07.2019 - 13:34

صراع حول مرجعيات فكرية تعود لقرون

أصبحت المواجهة بين من يصفون أنفسهم بالحداثيين والمنعوتين بالمحافظين أو السلفيين أو “الظلاميين” على جميع الأصعدة. كل طرف يعتبر الآخر خارجا عن جادة الصواب، ويحمل أفكارا هدامة تؤدي بالمجتمع إلى التخلف عن ركب التطور والتقدم.
يعتبر “الحداثيون” أنفسهم حاملين ومدافعين عن القيم الكونية المعاصرة التي قادت شعوبا وأمما إلى ريادة العالم، ويتهمون الطرف الثاني بالتخلف والتطرف والظلامية، الذي يريد العودة بالمجتمع بأفكاره الرجعية إلى الخلف وإلى العصور المظلمة.
بالمقابل يتهم “المحافظون” الحداثيين بالخارجين عن الدين والملة والمتشبعين بالأفكار الغربية المعادية للإسلام والسالبة للهوية الوطنية، بل يصل الأمر إلى الاتهام بالعمالة إلى الخارج.
هذا التنافر والرفض المبدئي للطرف الآخر يجعل الحوار بين الطرفين من الأمور المستعصية، في حين أنه ليس مستحيلا، إذا توفرت الشروط الموضوعية والنقاش الخالي من الخلفيات الإيديولوجية والسياسية في كثير من الأحيان.
وتعتبر التيارات ذات المرجعية الإسلامية أن مصدر التشريع وتنظيم المجتمع يجب أن ينطلق من التشريع الإلهي المتمثل في القرآن والسنة، لكن يظلون منحصرين في الإنتاجات الفكرية لفقهاء اجتهدوا واستنبطوا أحكاما وتشريعات تخص النوازل التي عرضت عليهم منذ قرون خلت، باعتبارهم الأجدر بمعرفة مغازي وكنه النصوص الدينية وتأويلاتها لقرب عصرهم من حقبة فترة الوحي. ويغفل هؤلاء تعدد التيارات الفقهية والاختلافات المتنوعة بين فقهاء عاشوا معاصرين لبعضهم، لكنهم اختلفوا بسبب اختلاف في تقديرات كل واحد منهم للمحيط الذي كان يعيش فيه.
فإذا أخدنا، على سبيل المثال، الشافعي، الذي تتلمذ على الإمام مالك واختلف معه في مجموعة من الأحكام، سنجد أنه راجع عددا من آرائه التي أدلى بها في العراق عندما استقر به المقام بمصر، لذا نجد أن الباحثين في مذهب الإمام الشافعي يصنفونه إلى قديم (الآراء التي قال بها عندما كان يقيم بالعراق) وجديد (آرائه عند قدومه واستقراره بمصر). ويؤكد هذا الأمر أن الفقهاء السابقين كانوا أكثر انفتاحا على الأفكار الجديدة ويتمتعون بمرونة أكثر تجاه المتغيرات والمستجدات من رجال الدين المعاصرين، الذين اكتفوا بما أنتجه سلفهم وجعلوا منه مقدسا لا يمكن تجاوزه أو الإتيان بفكر مغاير له، وبذلك عجزوا عن إنتاج فكر جديد يتلاءم مع متطلبات العصر، وحولوا هذا الجمود الفكري من طابعه السلبي المذموم إلى سلوك محمود يقضي بالتشبث بالمذهب الفكري للسلف الصالح.
لكن الفكر السلفي لا يقتصر فقط على التيارات الإسلامية، بل نجده حاضرا أيضا عند من يسمون أنفسهم بالحداثيين، فكل الأفكار التي يروجون لها ويناصرونها تجد مرجعيتها الفكرية في عصر التنوير، الذي بدأت أولى معالمه بإنجلترا، قبل أن يتطور في فرنسا، منذ القرن الثامن عشر. وتستمد إنتاجاتهم الفكرية أصولها من فلسفة عصر الأنوار وما نتج عنها من قيم، يعتبرها الحداثيون قيما كونية يجب على كل الشعوب تبنيها إذا أرادت الانعتاق من التخلف وتحقيق التطور والتقدم على غرار المجتمعات الغربية، ويرفضون أي أفكار مغايرة لها دون مناقشتها أو مجادلة من يحملها. فقد روج بعض من ينسبون أنفسهم إلى الحداثة شعارا، خلال حملة الانتخابات التشريعية 2016، “لا تصوتوا لأجل بن تيمية…صوتوا على الديمقراطية”، في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية.
ويعكس هذا الشعار عدم إلمام أصحابه بفكر ابن تيمية، إذ يلخصونه في بعض آرائه المتعلقة بالجهاد ويخرجونها من سياقها التاريخي، الذي كانت بلاد الإسلام فيه تخضع لغزو التتار، فكان من الضروري على العلماء والفقهاء حشد الهمم لمواجهة هذا العدوان. لكن المتعمق في فكر بن تيمية سيجد أن الرجل كان من المجددين، إذ رفع القدسية عن المذاهب الأربعة وخالف أصحابها في عدد من الآراء.
لكن المعيار الوحيد لدى الحداثيين هو الفكر التنويري الذي انتفض على الكنيسة والسلطة السياسية آنذاك، وبما أن ابن تيمية رجل دين فكل فكره مردود عليه. وهكذا يسقطون، بدورهم، في السلفية الفكرية التي يتهمون بها التيارات الإسلامية.

» مصدر المقال: assabah

Autres articles